يواجه الدكتور مساعد السلمان عميد كلية الطب في جامعة الملك سعود حملة منظمة من أجل إلزامه بمنع تدريب الطلاب على المريضات، وتدريب الطالبات على المرضى الرجال قبل التخرج، وهو ما ....
.....يعارض أبسط أبجديات التدريب في تاريخ الطب منذ القدم..
الحملة بدأت في التنظيم منذ سنة تقريباً، وبعد فتوى صادرة بتاريخ 7 - 7 - 1427هـ من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء رداً على سؤال من طبيبين استشاريين يعملان في مستشفى الملك خالد الجامعي، هذا نصه: (ما الحكم الشرعي على تدريب الطلاب على المريضات وتدريب الطالبات على المرضى الرجال علماً بأن الطلاب ليس لهم علاقة بمداواة المرضى، وإنما هم يتدربون على معرفة علامات المرض وطريقة العلاج فقط)؟.
كان رد اللجنة الدائمة كالتالي: (بأن كل جنس يتدرب على جنسه فالطلاب يتدربون على المرضى من الرجال، والطالبات يتدربن على المرضى من النساء ولا يجوز العكس، امتثالاً للشرع المطهر الآمر بحماية الأعراض وستر العورات.
ولا يلتفت في هذا الباب إلى ما يُدّعى أن مهنة الطب مهنة إنسانية تتجاوز الفروق الجنسية، فهو من تلبيس إبليس على عباد الله تعالى، وما أكثره في هذا الزمان).
ما أود التأكيد عليه تعليقاً على هذه الفتوى أنها صدرت بناءً على ما تم شرحه ونقله من أفراد لهم تصوراتهم وآراؤهم الخاصة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون مستوفية التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر..
الجدير بالذكر في هذا المقال أن تقديم هذا السؤال لم يكن بناء على طلب من الجهات الرسمية المسؤولة في وزارة الصحة أو التعليم العالي والمستشفيات الجامعية وغير الجامعية.
ولكن من مجتهد يعمل لفرض رأيه قسراً على كلية الطب، مما أثار كثير من المتاعب والفوضى والعراك غير الحضاري بين المؤيدين لها باعتبارها ملزمة والمعارضين لها، حيث إن هناك ممن يرون أن شرح الأمر للجنة لم يكن دقيقا، ولم تتطلع اللجنة على التفاصيل وعلى مبادئ وأخلاقيات فحص العورات من الجنسين، وأن إقصاء الطلاب والطالبات من التدريب الطبي على أمراض الجنسين يجعل منهم أطباء غير مؤهلين لخوض الحياة العملية والتدريبية فيما بعد التخرج.
التدريب المهني الطبي لا يقتصر فقط على ما قبل التخرج ولكن أيضاً على ما بعد التخرج، وهو المرحلة التي تسبق الحصول على شهادة التخصص، وإذا رأى الطبيبان والقائل بالفتوى إن التدريب على أمراض الجنسين ليس من الضرورة في مرحلة ما قبل التخرج.
فما بالك إذاً بالتدريب ما بعد التخرج، فهل هو الاستثناء في مسألة الحكم على التدريب على المرضى الذكور والإناث؟..
أم أن تلك مرحلة أخرى سيتم إدراجها لاحقاً ضمن تطبيقات الحكم السابق ذكره على التدريب الطبي في المستقبل، وهو ما سيترتب عليه فصل لممارسة العناية الصحية في المملكة، وبناء لنظامين صحيين أحدهما نسائي وآخر رجالي، وهو أمر يستحيل تطبيقه في أغنى الدول دخلاً، وأكثرها تأهيلاً للكوادر الطبية من الجنسين.
لا يمكن على الإطلاق تأخير علاج الحالات الإسعافية في أمراض الجنسين أو الانتظار لحين توفر طبيب أو جراح من نفس الجنس..
مثل حالات الولادة المتعسرة وجراحات أسفل البطن والرحم والأورام والزائدة وغيرها من الأمراض التي تصيب الأعضاء التي خلقها الله سبحانه وتعالى في أجزاء العورة للرجل والمرأة، وهي كثيرة ويصعب حصرها في عجالة؛ لذا لا يمكن على الإطلاق التساهل في قضية عدم ضرورة الاطلاع على أعراضها وعلامتها الحيوية وكيفية تشخيصها وعلاجها خلال التدريب.
سبق وتناولت هذه الفتوى وتبعاتها في مقال في مجلة (التخصصي) منذ عام، وحذرت فيه مما يحدث الآن في كلية الطب في جامعة الملك سعود من صراع حركي وضغط متواصل على عمادة الكلية، والتنظيم ضد العميد في الوقت الحاضر وصل إلى الطلبة، وإلى المحاكم، وإلى التحريض من خلال المنتديات، ومن خلال جمع تواقيع أئمة المساجد ضد عميد كلية الطب الدكتور مساعد السلمان الذي يواجه منذ عام حملة منظمة في غاية التطرف من أجل إلزامه بتطبيق هذه الفتوى، وهو ما يعارض أبسط أبجديات التدريب الطبي في جميع أنحاء العالم، وما قد يسقط الاعتراف العالمي بشهادة البكالوريوس لخريجي كلية الطب في جامعة الملك سعود، والخلاف الآن يعصف بكلية الطب، ووصل إلى درجة مأساوية إذا لم يتدارك الأمر من إدارة الجامعة ووزارة التعليم العالي، ومن الحكومة بشكل عام..
أخيراً يجب حسم هذه القضية من قبل الجهات الرسمية، وأن يراجع سماحة المفتي ما صدر من اللجنة الدائمة، وما ترتب عليه من تبعات كان لها كثير من الضرر على الطلبة والمرضى والمجتمع، وأيضاً على الوضع الأكاديمي في كلية الطب، والذي تدهور بشكل ملحوظ، وإذا صعب الأمر..
من المستحسن إحالته إلى مختصين، وإلى دراسة هذا الشأن العام من قبل خبراء التدريب الطبي في الوطن ومن خارجه، إذا لزم الأمر..
ذلك لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره، وأن التصور لا ينفك عن كونه معرفة علمية مصحوبة بتتبع الدلالات والآثار التطبيقية والمستوفية للشروط اللازمة لتحقيق المصالح ودرء المفاسد،والتي ستساهم في الحكم بجزم ووضوح عليه، وهذا ربما ما لم يدركه المطالبين بتطبيق هذه الفتوى، وخصوصاً أن خبراء التعليم الطبي يرون أن التدريب الطبي للطلاب والطالبات على المرضى من الجنسين من أساسيات التدريب الطبي، ومن الضرورات التي لا يمكن التغاضي عن تطبيقاتها في هذه المرحلة التعليمية الهامة.