د.شريف بن محمد الأتربي
شرفت بحضور دعوة خاصة من قبل أحد الأبناء الكرام احتفالا بمرور 30 عاما على التخرج من المرحلة الثانوية، لأجد نفسي محاطا بعدد كبير من الشباب المقترب من الشيخوخة، وأنا وسط هذا الجمع أجد نفسي غريبا، فقبل الحضور كنت أحسب نفسي على مجتمع الشيّاب، القريب قليلاً من الشباب، لأعيد تصنيف نفسي مرة أخرى - كما تفعل مؤسسات التصنيف الائتماني - إلى درجة كبار السن.
رغم دهشتي لسرعة مرور الأيام، وتكدس أوراق المفكرة الورقية؛ إلا أني كنت سعيداً بهؤلاء الشباب، سعيداً بما وصلوا إليه من مناصب وعلم، فهذا بدرجة وزير، وهذا كبير جراحين، وهذا رئيس هيئة، وهذا وهذا...، كل هؤلاء الطلبة مروا من عندي، دخلوا من باب الفصل راغبين في التزود بالعلم والمعرفة وحصدها حصدا لتكون ركيزة لهم في الأيام القادمة.
لقد كانت الحياة وقتها بسيطة جداً، والتنافسية ليست كما هي الآن، ورغم ذلك لم يتهاون أي منهم في البحث عن أسباب النجاح والأخذ بها، رسموا طريقاً واضحاً لمستقبل كل منهم، وساروا على الدرب بسرعة كبيرة، ولم لا وهم قد حصنوا أنفسهم ومستقبلهم بالمهارات اللازمة لخوض المنافسة الشريفة في سوق العمل.
انصب الحوار بيننا على كثير من الأمور الماضية، والذكريات الفائتة، كان لكل واحد منهم قصة معي، هذا يقول: أتعبتني يا أستاذ في كتابة البحث، والآخر يقول: كنت دقيقاً يا أستاذ في مواعيد تسليم الواجبات والمشاركات، وآخر يقول: كنا نحبك كثيراً خارج الفصل ونحسبك واحدا من جيلنا، وكنت داخل الفصل شيخا في كتّابنا، قالوا، وقلت، ومع كل حكاية تروى، وقصة تحكى أتعجب منها، أسأل نفسي: كيف كنت تفعل هذا يا صديقي؟
كان الرد دائماً: الطالب إذا أحس بأن المعلم جاء ليعلمه هو شخصياً، ويساعده أيضا هو شخصيا، أحب العلم والعمل من خلال حبه وارتباطه بما يقدم له، بل إنه أيضاً يقوم بأعمال ليست من ضمن المطلوب، ولعلي أتذكر قصة الزيارات التي كنت أطلب من طلابي القيام بها لأنواع المكتبات داخل الوطن، فكل مجموعة مكونة من أربعة طلاب عليها أن تزور أربع مكتبات مختلفة ما بين عامة، وجامعية، ووطنية أو... غيرها من أنواع المكتبات، ويقومون بعمل لقاء مع أمين المكتبة، ويسجلون فيديو للقاعات ومصادر المعلومات المتوافرة بها، كل هذا لم يكن ضمن المقرر الدراسي، فالمطلوب هو معرفة أنواع المكتبات فقط، ولكن اجتمعت إرادتنا سويا، أنا أريد أن يتلمسوا الفروقات بين أنواع المكتبات بأنفسهم، وهم تحمسوا لطريقة التعلم الجديدة، من خلال الزيارات الميدانية وكتابة التقارير وعرضها أمام زملائهم.
كل هذه الذكريات انهمرت فجأة على ذاكرة تكاد تتذكر ما حدث في نهار ليلتها، ورغم ذلك، ومع أول حكاية، وبداية الرواية، عادت الذاكرة نشطة، كأنها شحنت بألف فولت كهرباء، فعادت من سباتها لتقر بوجودها وأنها حاضرة فقط تحتاج من ينعشها رئويا بمقابلات دورية تحت شعار: «العيال كبرت».