د. منصور الجريشي
صُنْع المعروف أمر لا مثيل له أبداً، وحلاوة لا يجد طعمها إلا من فعلها؛ فهي كنز لا يفنى بالدنيا، ومنزلة عالية في الآخرة - بإذن الله تعالى -، وبه يرتقي الإنسان إلى ما لا يتصوره عقل، وينعكس أثره على الإنسان المصنوع به المعروف، ولا ينسى معروفك مادام على هذه البسيطة، وربما يوصي أبناءه، ولا يتوقف ذلك عند هذا الحد، بل يمتد الأثر على صانع المعروف إلى أبعد من ذلك حيث يجد البركة في نفسه وولده وماله، ويرى أن الخيرات تأتيه دون حساب، ومن كل حدب وصوب، وفي كل وقت وحين، دون أن يشعر الإنسان أنه من صنع المعروف، حيث يُقيِّض الله له خلقه، ويسوق له الطيبات سوقاً.
بالأمس القريب عندما كنت أصلي صلاة العصر بالمسجد النبوي وبين الأذان والإقامة لفت نظري شاب في مقتبل العمر ينظر إليّ ويحاول جاهداً أن يُمعن النظر، ينظر تارة ويغضي تارة أخرى، ويحاول أن يتعرف على ملامح وجهي، وكلما نظرت إليه أغضى طرفه عني. قلت في نفسي أتركه وشأنه ولا أنظر إليه ربما يكون مشبهاً عليّ كوني لم أره سابقاً.
ثم صلينا العصر، وبعدما انتهينا من الصلاة، شددت رحالي وتوجهت إلى البوابة للخروج من المسجد، وإذا بالشاب يلاحقني، ويحاول الإمساك بيدي بين الزحام وعند وصولي للساحة لحق بي وسلّم علي والابتسامة تعلو مُحياه، قلت: حياك الله، ثم قال: أنت الأستاذ منصور؟ قلت: نعم، وصلت. - أهلاً وسهلاً -. قال: هل عرفتني؟ قلت: لا، والله. قال أمعن النظر لعلك تتذكر، قلت الذاكرة خانتني، ويصعب التذكر، وقال: أنا فلان. ودرَّستني بمدرسة كذا، قلت: صحيح، درّستُ بتلك المدرسة، قال أنا كنت طالباً أعاني من صعوبة في التعليم تتمثل في التأتأة، وبسبها كنت أريد أن أترك الدراسة، بسبب ما أعانيه من صعوبة، وتأخر دراسي، وقد سخَّرك الله لي، وفعلاً تذكرت الموقف ولكن شكل الطالب تغيَّر علي كثيرًا، حيث مرت سنوات عديدة قاربت العشرين عاماً، قال صحيح، ولكن معروفك لا أنساه أبداً حيث توليت أمري وعملت لي برنامجاً خاصاً من بداية العام حتى انتهت السنة، ومعها انطلقت بالقراءة، وتحسن خطي، وأصبحت أتحدث بلا تردد أو خوف، وأقرأ أمام الجميع، فقلت هذا يا أخي ليس لي فضلٌ فيه، بل هذا واجب عليّ، وعملت بما يمليه علي ضميري، ثم قال: لا تقل أخي قل: يا ولدي؛ لأنك فعلاً بمقام والدي، وأنت أنرت الطريق لي، ولن أنسى معروفك ما حييت وسأوصي أبنائي على فعل الخير بكم، وأرد لو جزءًا بسيطاً من معروفك. قلت ليس لي فضل، فالفضل لولاة أمرنا الذين ينسب لهم الفضل الأول بعد الله، حيث ذللوا الصعاب أمامنا لنقوم بواجبنا على أكمل وجهه، راجيا منكم - ابني العزيز - أن تدعو لقيادتنا الحكيمة في صلاتكم، وفي كل وقت أن يحفظهم الله، ويمد بأعمارهم، وأن يرد الله كيد من أراد بهم سوءاً في نحره، ويجعل تدبيره تدميراً له.
ثم دعوته لمرافقتي للمنزل ولكنه اعتذر حيث ذكر أنه على عجل، وغادر وهو مسروراً بلقائي، وعيناه تذرفا الدمع.
حقيقة لا أخفيكم كمية الفرح والسرور والبهجة التي أدخلها على قلبي هذا الابن الذي نسيت ما فعلته معه، ولكن قلبه لم ينس، ومازال ينبض بما فعلته معه، ودعواته مستمرة لي. والله كأني ملكت الدنيا, وما فيها. وغمرتني سعادة لم أذق ألذ منها في حياتي، حتى ظهر على جبيني هذا الفرح، فجزى الله هذا الابن خير الجزاء الذي زادنا بشراً، وفرحاً، وحتى نزداد في بذل المعروف، والخير.
ومن هنا فالمعلمون مثابرون ومجتهدون ويسعون بما يملكون من قوة أن يعاملوا طلابهم مثل أبنائهم، ويتعبون من أجلهم، ولا يترددون في خدمتهم في شتى جوانب العملية التعليمية ليخرجوا جيلاً قادراً على العمل بكل جديةٍ واحترافيةٍ؛ ليخدموا وطنهم، وأبناءه الكرام.
أخي المعلم أعلم يقيناً مقدار تفانيكم وإخلاصكم، وحبكم لطلابكم، ودعمكم لهم، فلا يهمكم بعض الأبواق التي تريد النيل منكم، ومن مهنتكم الشريفة، فابذل مع من يحتاج البذل أقصى ما لديك فالطالب لا ينسى أبداً، ويحفظ المواقف التي تمر به كلها، فكن داعماً لهم للخير ناء بهم عن طريق الشر، والانحراف، فأنتم لها. فقيادتتا الحكيمة أولت التعليم جل اهتمامها، وسخرت كافة الإمكانات التي تعيينا على تعلم أبنائنا بالطريقة الصحية، والاستراتيجيات الحديثة.
ومضة
صحيح أن الطلاب مختلفو المشارب والسلوكيات ويجب أن نتعامل معهم بأسلوبٍ لا يُفرق بينهم، ونحاول بما نملك أن نبذل أقصى الجهد مع الطالب الذي لديه بعض السلوكيات التي تؤثر عليه أو على زملائه دون أن تأخذ بيده إلى الإدارة، وأن نبذل معه الأسباب حتى يعود إلى الطريق الصحيح، فالطالب يسمع كثيرًا من معلمه دون الآخرين ويتأثر بهِ أيما تأثير، فكم من طالبٍ رجع عن طريق السوء بسبب معلمهِ وكم من طالبٍ برز وتميز بعد ضعف أيضًا بسبب معلمهِ، فالمعلم هو من يَعبُر بطلابهِ إلى بر الأمان، فالمدح، والثناء والتحفيز عناصر مهمة في تعديل وتعزيز السلوك.