عبدالله إبراهيم الكعيد
كنّا نظن بأن الكيمياء علم يجمع ويفكك المادة والتغيُّرات التي تطرأ عليها. وأجرينا ابّان المرحلة الثانوية تجارب على التركيبات الكيمائية للخروج بمادة جديدة، حتى سمعنا لاحقا بما يُسمى بكيمياء الأرواح وهو مصطلح غير علمي، بل تعبير فلسلفي يشير إلى تجاوز العلاقات التفسير المادي مثل توافق الأرواح وخلافه.
حسب كتاب آخر أيام سقراط ترجمة أحمد الشيباني، سأل الفيلسوف الشهير رفيقه (سيمياس): « هل نستطيع أن نضع أية ثقة في البصر والسمع البشريين، أم أن الأمر كما يقوله الشعراء بأننا لا نسمع ولا نرى أي شيء بصورة صحيحة؟» وحين أيده صاحبه أردف بسؤال مباشر» «إذاً متى تبلغ الروح الحقيقة؟ إنها عندما تحاول البحث في أي شيء بمساعدة الجسد فعندئذ تضل بالتأكيد. أليس خلال التأمل تستحصل الروح على نظرة واضحة إلى الحقائق، وذلك إذا تمكنت من الاستحصال عليها».
التأمل فعل إرادي بينما ما يحدث في كيمياء الأرواح أعتقد بأنه فعل لا إرادي.
على سبيل المثال حين يتوجس الفرد منّا خيفة من مكان أو من شخص بالرغم من أن الظاهر لا يدل على ما يدعو لهذا الخوف.. أليس مردّ ذلك إلى الكيمياء التي يقولون عنها؟ مثال آخر، الارتياح لشخص من أول نظرة أو العكس النفور منه منذ اللحظة الأولى: هل له تفسير علمي؟ ربما توافقون معي على أن كيمياء الروح اشتغلت كالحسّاسات أو الاستشعار الروحي.
مرة أخرى أعود لسقراط وهو يُؤكّد أنه بمستطاع الروح أن تكون في أحسن أحوال التأمل عندما تكون متحررة من كل ارتباك وشرود كالسمع والبصر أو الألم أو اللذة؛ أي تكون مستقلة عن الجسد وكل تماس جسدي وتتحرر إلى أوسع مدى تستطيعه من الارتباط به وذلك حين بحثها (أي الروح) عن الحقيقة. يعني كلما تحررت الروح من سطوة الجسد وحواسه فهي تكون في مرحلة شفافية يمكن أثناءها وضوح عناصر الحقيقة أكثر، وبالتالي تتيح لصاحبها الحكم على الأشياء من منظور محايد ودقيق.
إذا تذكرون رواية الخيميائي للبرازيلي باولو كويلو وبطل الحكاية الراعي سانتياغو وهو يبحث عن كنز قيل بأنه مدفون في منطقة الاهرامات في مصر. كأن كويلو يرمز لتلك الرحلة الشاقة عبر الصحراء بالحياة ومفازاتها لاكتشاف الذات وليس الأشياء المادية. إن تكرار نصيحة «اتبع قلبك» ترمز إلى الثقة بالروح وأنها تقود للمعرفة، وبالتالي الحقيقة ليس من خلال النظريات، ولكن بالتجربة.