عادل علي جودة
لقد كان احتفالًا مهيبًا ذاك الذي أحيته «إثنينية الذييب» مساء الاثنين 25 شعبان 1446هـ الموافق 24 فبراير 2025م، بمناسبة «يوم التأسيس» الذي تحتفي به المملكة العربية السعودية سنويًّا في الثاني والعشرين من شهر فبراير بوصفة اليوم الذي يحكي ثلاثة قرون، أو على وجه التحديد مائتين وثمانية وتسعين عامًا، من عمر الدولة السعودية بمراحلها الثلاث الممتدة على النحو الآتي:
ـ الدولة السعودية الأولى: وامتدت منذ النصف الثاني من عام 1139هـ (22-02-1727م) إلى عام 1233هـ الموافق 1818م، وتولى قيادتها كل من «الإمام محمد بن سعود»، يليه «الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود»، ثم «الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد»، ومن ثم «الإمام عبدالله بن سعود بن عبدالعزيز»؛ يرحمهم الله.
ـ الدولة السعودية الثانية: وامتدت من عام 1240 إلى عام 1309هـ؛ (1824ـ1891م)، وتولى قيادتها كل من «الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي»، يليه «الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي»، ثم «الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله»، ومن ثم «الإمام تركي بن عبدالله»؛ يرحمهم الله.
ـ الدولة السعودية الثالثة: وانطلقت عام 1319هـ (1902م)، على يد صقر الجزيرة «الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود»؛ طيب الله ثراه، وخلفه من بعده أبناؤه البررة؛ «الملك سعود»، و»الملك فيصل»، و»الملك خالد»، و»الملك فهد»، و»الملك عبدالله» رحمهم الله أجمعين، ثم في عام 2015م بويع «الملك سلمان بن عبدالعزيز» ملكًا للبلاد ولم يزل؛ أمد الله في عمره، وإلى يمينه عضيده صاحب الرؤية الثاقبة (2030) الشاب الملهم «الأمير محمد بن سلمان»؛ ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء.
لقد كان احتفالًا مهيبًا في رحاب رجل الأعمال السعودي المحبوب الشيخ حمود بن عبد الله الذييب، الذي اعتاد مساء كل اثنين أن يستضيف العديد من الشخصيات السعودية وغير السعودية من مختلف فئات المجتمع أمراء، وسياسيين، وأكاديميين، وكتابا، وشعراء، وإعلاميين، وذوي الفكر والثقافة والأدب، ولا يفوتني في هذا المقام أن أوثق التحية عالية للفريق الملتزم الذي يولي هذه اللقاءات جل الاهتمام، وأخص بالذكر أبناء الشيخ حمود الذييب على ما يولونه للحضور من رقة الاستقبال، وعذب الاهتمام، وحميمية الوداع، والإعلامي المتألق المثقف تركي الناصر الذي يدير الأماسي بابتسامته الوادعة ومتابعته اللافتة، والجندي الدؤوب الأستاذ ريان السعيد المسؤول التنظيمي لتفاصيل مختلف اللقاءات، ومهندس عدسة التوثيق الفنان المتمكن أحمد جميل.
ثم، يا لها من سعادة حقيقية غمرت قلبي وقلوب الحاضرين ونحن نشاهد رقصة العرضة السعودية، وبيارقها الخفاقة وشمعداناتها الذهبية البراقة، ودقات طبولها الصاخبة الماتعة بأحجامها الكبيرة والصغيرة، وتلويحات السيوف اللامعة وكأنك في محطة استعداد لخوض ساحات الوغى، إضافة إلى الأشعار النبطية اللاهبة، والأهازيج الشعبية التي تسرد التاريخ السعودي باللهجة المحلية؛ التي لا أخفي أنني لم أستوعب الكثير من مفرداتها، لكنني استوعبت حجم البهجة التي ملأت صدور الراقصين فيها والمنشدين، وكم كان الأمر لافتًا وأنا أشاهد الجميع يشارك في هذه الرقصة حتى امتلأت بهم ساحة القصر على اتساعها، وعمت الفرحة أرجاء المكان مجللة بمشاعر الفخر والشموخ والاعتزاز، الأمر الذي أخذني لاستنشاق عبق التاريخ العربي المجيد المليء بمعاني الرجولة والشجاعة والولاء، والبسالة والإقدام والوفاء، والعنوان دومًا هو الدين، والوطن، والمليك، والإنسان، في رحلة التأسيس والبناء والإنجاز، والتمجيد بما تحقق للبلاد من أمن وأمان وما امتلكته من سيادة واحترام في ظل عالم فيه الكثير من المحبة والجمال، وفي الوقت نفسه فيه الكثير من الحسد والأطماع، ويا إلهي كم كان الصوت الجمعي مهيبًا وهو يشدو باللهجة البدوية الساحرة «تحت بيرق سيّدي سَمْعٍ وطاعة»، وما يلفت الانتباه في هذه الرقصة أنها تعتمد نظامًا ملزمًا يحاكي نظام العسكرية؛ إذ هناك مَنْ يُسمى «المحورب» الذي يقود الرقصة بصوته الجهوري ويشعل التحفيز في نفوس الفريق من خلال الافتتاحية التي يدندن فيها ـ متبعًا مقام النوى الموسيقي ـ دندنات شجية مبتدئًا بصوت منخفض، ثم يرتفع الصوت شيئًا فشيئًا وصولًا لانطلاقة نبرة البدء، فتُدَقُّ الطبول حتى يخيل إليك أنك تسمع صهيل الخيول، ومن ثم تبدأ التفاصيل والأركان حتى يصبح كل فرد في العرضة جزءًا أصيلًا منها وفيها؛ فلا يرى سوى العرضة، ولا يعانق سوى بيارقها، ولا يسمع سوى تهليلات شدوها عبر صفين متقابلين بأزياء وطنية تبهج القلب وتنعش الروح.
وكجزء محوري وأساسي من هذا الاحتفال، تعطرت الأجواء بتفاصيل محاضرة وطنية باذخة للمتميز جدًّا الأخ الدكتور بندر بن مطلق العصيمي الذي استحوذ على مشاعري (تمامًا) وهو يبوح بسرده التاريخي المجلل بالفصاحة والبيان، والمعتّق بأريج الكلمة الوفية المرصعة بألق المشاعر.
وأراني بكل أمانة أود لو يمكنني تزيين هذا المقال بمعالم ذاك النمط البهيج من السرد المتكئ على جماليات الوطن وعذوبة آفاقه، إلا أنني ـ احترامًا لمساحة النشر ـ سأقدم لقارئي الكريم بعضًا يسيرًا من وقفات سريعة ذات صبغة خاصة تختال بهمسات ود أصيل نثرها المحاضر الكريم في إطار رائعته الوافية الشافية.
ولابد لي في البدء أن أوثق تقديري للتسلسل السردي الزمني الذي اتبعه المحاضر، حيث بدأ بنبض جوارحه يحكي «أهمية يوم التأسيس» وقد أوفى، ثم انتقل إلى الشطر الأول من عنوان محاضرته وهو «مشروع الدولة السعودية» موثقًا الأحداث بأسلوب تتحسس فيه ذلك الحس الوطني الشامخ الذي يسكنه، ومن ثم راح يتنقل بين المحطات الثلاث للدولة السعودية مصرًّا على أن يجمع وصلها بوصفها سلسلة متصلة برغم ما شهده التاريخ من أخذ ورد في فترات محدودة جدًّا قياسًا بعمر الزمن.
لقد كان الدكتور العصيمي لافتًا جدًّا وهو يعدد الشطر الثاني من عنوان محاضرته المتصل بنتائج «مشروع» الدولة السعودية، فكانت وقفته الأولى تجاه «تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة»، ثم جاءت وقفته المطولة مع النتيجة الثانية المتصلة بـ«حفظ الأمن»، ثم وقفاته المتتالية تارة مع «الازدهار الاقتصادي»، وتارة أخرى مع «الازدهار العلمي»، وثالثة مع «التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع»، ورابعة مع «العناية بالحرمين الشريفين والاهتمام بالحج وما يتصل به من تفاصيل وأركان».
وقبل أن يختم المحاضر رائعته راح يضع أمام المتلقي محطتين خاصتين حريّ بالمتلقي أن يتأملهما بوضوح ليستشعر ما اشتملت عليه من معالم العزة والأمان، أما المحطة الأولى؛ فتحت عنوان «مقاربات تاريخية»، تناول فيها مراحل الدولة السعودية الثلاث؛ أولاها التي كانت بمثابة اللبنة الأولى لمشروع التوحيد لكنها واجهت تحديات خارجية أدت إلى (سقوطها) وكم كان رائعًا المحاضر وهو يرفض مفردة (السقوط) على اعتبار أنها استُرِدّت. ثم المرحلة الثانية التي ورثت المبادئ نفسها غير أنها عانت مشكلات داخلية وتحديات خارجية أدت إلى انهيارها، وأما المرحلة الثالثة فهي الشاهدة على هذا الزمان حيث ورثت «المملكة العربية السعودية» تلك المبادئ، ولم تقف عندها، بل جندت قدراتها ومضت نحو التنمية والتطوير حتى بدت في عصرها الحاضر واحدة من كبريات دول الإقليم والمنطقة ومحط أنظار العالم. وأما المحطة الثانية فجاءت تحت عنوان «إضاءات تاريخية» تناول فيها أولًا: تلك المسيرة التي ناصر فيها الإمام محمد بن سعود الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وقدم لدعوته ما يلزمها من الدعم والتأييد. وتناول ثانيًا: ذاك الارتباط الوثيق بين الأسرة الحاكمة والمواطنين مما أدى إلى تخطي الأزمات، وكان هذا الارتباط سببًا في صد القوات الغازية عام 1818م وتدميرها، ولما انهارت الدولة السعودية الثانية عام 1891م لم ينته ذلك الارتباط، بل ازداد تلاحمًا فأدّى إلى الالتفاف حول الملك عبدالعزيز والقتال تحت قيادته حتى تم استرداد الرياض عام 1902م وظل متواصلًا حتى تم التوحيد عام 1932م.
ثم أنهى الدكتور العصيمي محاضرته بفقرة تحمل نبض قلبه، وأقتبس: «قدَّر الله لهذه الدولة السعودية منذ تأسيسها أن يأتي في كل قرن هجري من يجدد بناءها ويعلي شأنها من أسرة آل سعود، فكان الإمام تركي بن عبدالله باعثها من جديد في عام 1240هـ/ 1824م، ثم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الذي استردها واستعاد كيانها عام 1319هـ/ 1902م، وقادها بعد ذلك نحو التطور، ثم يأتي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في عام 1436هـ/ 2015م، ليشهد عهده إطلاق رؤية المملكة 2030، برعاية ومتابعة ولي العهد الأمين ورئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-».
وقبيل نهاية هذا الاحتفاء البهيج، حان وقت القصيد مع ثلة من الشعراء السعوديين وغير السعوديين الذين تغنوا بالوطن السعودي المجيد وما يشهده من نمو وازدهار وسيادة، وقد نلت شرف المشاركة بقصيدة سريعة أحكي فيها ما رأيته بأم عيني ـ على امتداد ما يقارب الخمسين عامًا ـ من صناعة حقيقية للحياة الكريمة على هذه الأرض المباركة، وترجمت شيئًا من حنان هذه الديار التي تحتضن بحضنها الدافئ فلسطين؛ الأرض والشعب والقضية، قلت فيها:
هَا قَدْ تَلَأْلَأَتِ الْقُرُونُ مُجَدَّدَا
وَالْكُلُّ يَهْتِفُ صَادِقًا مُتَوَعِّدَا
وَأَئِمَّةٌ رَسَمُوا الْكَيَانَ بِهِمَّةٍ
عَزْمُ الرِّجَالِ حَمَى الْحُدُودَ وَشَيَّدَا
تَأْسِيسُ عِزٍّ شَامِخٍ لَا يَنْزَوِي
ذِكْرَى بِنَاءٍ عَانَقَتْ ذَا الْأَمْجَدَا
مَجْدٌ تَلِيدٌ مُذْهِلٌ سَاحَ الْوَغَى
أَبْوَابُ مَدٍّ وَاعِدٍ لَنْ تُؤْصَدَا
هِيَ عِزُّنَا هِيَ نَبْضُنَا هِيَ أَمْنُنَا
هِيَ ذِي النَّجَاةُ وَنَحْنُ صَدٌّ لِلْعِدَا
وَيْلٌ لِمَنْ ضَمَرَ الْخَرَابَ بِأَرْضِهَا
فَالْحَزْمُ آتٍ لَا مَحَالَةَ مُرْعِدَا
الْحَزْمُ مُرٌّ؛ طَعْمُهُ مِنْ عَلْقَمٍ
إِنْ ذَاقَهُ الْأَعْدَاءُ سِيقُوا لِلرَّدَى
صَقْرُ الْجَزِيرَةِ صَحْبُهُ مِنْ حَوْلِهِ
رَفَعَ الْإِشَارَةَ لِلدِّيَارِ مُوَحِّدَا
هَذَا الزَّعِيمُ الْعَبْقَرِيُّ وَنَسْلُهُ
هُمْ لِلْوَغَى أُسْدٌ وَهُمْ صَوْتُ الْفِدَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ الْيَعْرُبِيُّ وَشَعْبُهُ
أَسْيَافُ رَدْعٍ لِلْحِمَى لِمَنِ اعْتَدَى
طُوبَى لِمَنْ حَمَلَ الْحُسَامَ بِكَفِّهِ
وَأَعَادَ مَجْدًا لِلْجُدُودِ وَجَدَّدَا
تَارِيخُ إِرْثٍ ثَابِتٍ لَا يَنْتَهِي
أَنْفَاسُ هَامَاتٍ صَفِيَّاتُ النَّدَى
لِلْقُدْسِ حَامِيَةٌ لِأَقْصَاهَا غَدَتْ
أَرْكَانَ فَتْحٍ قَادِمٍ قَدْ حُدِّدَا
وَلِغَزَّةَ فِي قَامُوسِهَا كُلُّ الْوَفَا
أَمْوَاجُ صَدٍّ رَادِعٍ مَنْ هَدَّدَا
سَلْمَانُ يَا مَلِكَ الْبِلَادِ مُبَارَكٌ
عُرْسُ الْهَنَا بِالسَّعْدِ هَلَّ مُمَجَّدَا
وَوَلِيُّ عَهْدٍ حَازِمٌ نَحْوَ الْعُلَا
خَطَّ الْخُطُوطَ وَرَاحَ يَبْنِي سؤْدَدَا
عَلَمُ الْأَمَاجِدِ قَدْ سَمَا صَوْبَ الْمُنَى
وَالْخَيْرُ هَلَّ، بِرُؤْيَةِ الْمَجْدِ ابْتَدَا
يَا رَبِّ حَمْدًا دَائِمًا فِيهِ الرَّجَا
مَا رَفَّ طَيْرٌ فِي الْفَضَاءِ وَغَرَّدَا
هَذِي الدِّيَارُ سَمَاؤُهَا مَحْرُوسَةٌ
فِيهَا الْحَبِيبُ مُحَمَّدٌ نُورُ الْهُدَى
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ دَوْمًا وَارْتَضَى
وَعَلَى رِجَالَاتٍ لَهُمْ طِيبُ الصَّدَى
** **
- كاتب وشاعر فلسطيني