رسيني الرسيني
مما لا شك فيه أن كلمة «عجز» وصف غير مرغوب به، إلا أنه في الاقتصاد قد يشير إلى أمر إيجابي في حال كان لسبب سامٍ. فعجز الميزانية تعني زيادة مصروفات الدولة عن الإيرادات. وبالتالي في حال وجهت هذه المصروفات للتنمية والبنية التحتية والمشاريع العملاقة وفق استراتيجية واضحة ومدروسة، يكون العجز محمودًا بسبب أن عائده أكبر من قيمة سداده والتي تكون عادةً عن طريق الاقتراض أو استخدام الاحتياطي العام أو سُبل أخرى مثل: رفع الضرائب أو الرسوم الحكومية.
في المملكة، من المقدر أن يبلغ عجز الميزانية في عام 2025م نحو 101 مليار ريال بهدف الإنفاق التوسعي الإستراتيجي الذي يدعم التنويع الاقتصادي والنمو المستدام لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، أي بمعنى أنه عجز اختياري مقصود وليس عجزا إجباريا لتلبية النفقات الأساسية التي عادةً لا تكون منتجة. كما أن هذا العجز سيتم سداده عبر اقتراض مالي بمثابة شراء الوقت لتحقيق المستهدفات، إذ إن الخيار الآخر هو الإنفاق وفق ما هو متاح من إيرادات وتأجيل بعض المشاريع إلى وقت آخر.
يأتي السؤال هنا، هل كل دولة تستطيع التحكم بعجز اختياري أو إجباري؟ ومتى تختار بإرادتها أن تقترض؟ الإجابة تكمن في قدرة الدولة في النمو وتصنيفها الائتماني وهو الذي تتميز به المملكة -ولله الحمد- إذ إن التصنيف الائتماني الجيد يعني الحصول على قروض وتسهيلات مالية بتكاليف منخفضة. وهنا دعوة لقراءة مقالة سابقة لي بعنوان «التصنيف الائتماني وانعكاسه على السوق» أوضحت من خلاله تميز تصنيف المملكة الائتماني بسبب ملاءتها المالية وكفاءتها العالية بإدارة مواردها الاقتصادية.
الأمر الآخر الذي يجب أن نسلط الضوء عليه، أن معدل الدين العام للمملكة يعتبر متدنيا جدًا مقارنةً بالدول الأخرى، ففي المملكة يمثل الدين العام حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي بينما يزيد في المملكة المتحدة عن 100% وأمريكا 121% واليابان 251%.
أما عن المعدلات المقبولة للدين العام فإنه يجب إلا يتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك وفقًا لمعايير التقارب الاقتصادي الصادر عن المجلس النقدي الخليجي. وعليه، فإن عدم الاقتراض المتزن يعني تضييع فرصة متاحة.
حسنًا، ثم ماذا؟
العجز الاقتصادي المحمود هو موازنة بين استمرار التنمية واستغلال الفرص مع الانضباط المالي.