د. محمد بن أحمد غروي
لا تزال ظاهرة الإسلاموفوبيا إحدى أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في العالم المعاصر، حيث تتجلى في أشكال متعددة، بدءًا من الخطاب التحريضي في وسائل الإعلام، مرورًا بالتشريعات التمييزية، وصولًا إلى الهجمات التي تستهدف المسلمين ودور عبادتهم، ولأن المملكة تتحمل مسؤولية خاصة بوصفها قبلة المسلمين، فقد كرّست جهودًا نوعية لمواجهة هذه الظاهرة، مستندة إلى رؤية متكاملة تعكس التزامها بالدفاع عن الإسلام وتعزيز قيم التعايش السلمي بين مختلف الثقافات والأديان.
تعرف الأمم المتحدة الإسلاموفوبيا بأنها الخوف أو الكراهية غير المبررة تجاه المسلمين، والتي تؤدي إلى التمييز والإقصاء والتحريض ضدهم، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.
وهذه الظاهرة، التي تفاقمت في العقود الأخيرة نتيجة الصراعات الجيوسياسية والتوظيف الإعلامي المغرض، لا تؤثر فقط على المسلمين، بل تشكّل تهديدًا للسلم الاجتماعي والاستقرار العالمي، إذ تؤجج الصراعات، وتغذي موجات التطرف المتبادل. وفي إطار الجهود الأممية لمكافحة هذه الظاهرة، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي لمكافحة الإسلاموفوبيا في 15 مارس، كما عُيِّن مبعوث أممي خاص لمتابعة الظاهرة والعمل على الحد من تداعياتها، ومع ذلك، فإن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تقتصر على المناسبات الرمزية، بل تحتاج إلى استراتيجيات طويلة المدى تتضمن تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وتعزيز الحوار بين الأديان.
إدراكًا لخطورة هذه الظاهرة، عملت المملكة على تبني نهج شمولي لمكافحة الإسلاموفوبيا، قائماً على نشر الصورة الحقيقية للإسلام، وتعزيز التسامح، والتصدي للحملات المغرضة التي تسعى لتشويهه، وتجسّدت هذه الجهود في عدد من المبادرات والمؤسسات التي تركت بصمة عالمية واضحة، ومن ذلك تأسيسها بالشراكة مع إسبانيا والنمسا وبالتعاون مع الفاتيكان، مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد) عام 2012، ليكون منصة دولية تعزز الحوار والتفاهم بين مختلف المعتقدات.
ويعمل المركز على مواجهة الصور النمطية المغلوطة عن الإسلام، وتفكيك الخطاب المتطرف، وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة.
وفي عام 2017، أطلقت المملكة المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال)، ليكون مؤسسة رائدة في تحليل وتفنيد خطابات الكراهية، ونشر المحتوى الوسطي، وتعزيز التسامح عبر التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مما يسهم في تحجيم الإسلاموفوبيا عالميًا.
وسعت المملكة من خلال مشروع «سلام» للتواصل الحضاري إلى تقديم نموذج فاعل في تصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام، الذي يستهدف الفئات المؤثرة عالميًا، كالإعلاميين وصناع القرار والأكاديميين، لتعزيز الفهم المتبادل والتصدي للمفاهيم الخاطئة حول الإسلام والمسلمين.
والخطوة تبلور في وثيقة مكة المكرمة، التي أصدرتها رابطة العالم الإسلامي بمشاركة 1200 عالم ومفكر إسلامي من 139 دولة، نقطة تحول في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال، حيث أكدت التعايش السلمي، واحترام التعددية الدينية، ورفض الكراهية والتطرف، وهو ما يسهم في محاربة الإسلاموفوبيا من منطلق فكري وثقافي.
وتُعدّ منظمة التعاون الإسلامي، التي تتخذ من جدة مقرًا لها، من أبرز الجهات المعنية برصد ظاهرة الإسلاموفوبيا والتصدي لها على المستوى الدولي، حيث أطلقت تقارير دورية توثق حالات التمييز ضد المسلمين، كما تدعم الجهود القانونية لإصدار تشريعات تجرّم التحريض الديني في الدول غير الإسلامية.
إلى جانب الجهود السعودية، أظهرت بعض الدول الإسلامية الأخرى مبادرات متميزة في التصدي للإسلاموفوبيا، حيث تبنّت ماليزيا سياسات تركز على التواصل الحضاري وتعزيز التقارب بين المسلمين وغير المسلمين، لدرء الفهم الخاطئ عن الإسلام. فيما سنت إندونيسيا قوانين تحظر ازدراء الأديان، وتعمل على تأكيد دور الدين في تحقيق السلام والاستقرار. ورغم أن المسلمين لا يشكلون سوى 5 % من سكان كمبوديا، إلا أن الحكومة الكمبودية دعمت التعليم الإسلامي، وساهمت في نشر قيم التسامح الديني، مما جعلها نموذجًا يحتذى به في الاندماج المجتمعي.
إن مكافحة الإسلاموفوبيا تتطلب تضافر الجهود الدولية، وتبني سياسات قائمة على الحوار والتفاهم المشترك، بدلًا من المواجهة والصدام، فالعالم اليوم بحاجة إلى إطار دولي قانوني واضح يجرّم الإسلاموفوبيا تمامًا كما جُرّمت معاداة السامية والعنصرية، مع ضرورة إصلاح السياسات الإعلامية الغربية التي تغذي التصورات الخاطئة عن الإسلام والمسلمين.
وبفضل جهودها المستمرة، تواصل المملكة دورها الريادي في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والانفتاح على الآخر، منطلقةً من قيمها الدينية والحضارية، ومستلهمةً رؤيتها الطموحة التي تجعل من الحوار والتسامح ركيزتين أساسيتين لمستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
ختامًا، تبقى رسالة المملكة واضحة، وهي أن الإسلام دين سلام، والتعايش هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعات مستقرة، والإسلاموفوبيا ليست فقط تحديًا للمسلمين، بل معركة للإنسانية جمعاء ضد التعصب والتمييز.