د. علي معاضة الغامدي
(تعقيباً على مقال «قراءة جديدة في العلوم الجيومكانية» للأستاذ الدكتور يحيى أبو الخير) بدايةً، أود أن أعرب عن تقديري العميق للمقال القيم للأستاذ الدكتور يحيى أبو الخير «قراءة جديدة في العلوم الجيومكانية». لقد أثارت بعض النقاط التي يمكن التقاطها بسهولة في المقال انتباهي، فوجدت حاجة ملحة لتفكيكه والنظر في موضوع الربط بين المفاهيم البُعدية المقيسة وغير المقيسة في العلوم الجيومكانية. قمت أولاً بإعادة كتابة المقال، من وحي فهمي لما ورد فيه، وذلك إيمانًا مني بأهمية تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة لتصل إلى أوسع شريحة من المهتمين والمتخصصين، خاصةً وأنني معني بتدريس هذه الموضوعات في برنامج الدكتوراه في قسم الجغرافيا بجامعة الملك سعود، ويهمني ويهم طلبتي فهم هذه التطورات النظرية وتطبيقاتها العملية لضمان إنتاج بحوث رصينة. فرأيت أن تبقى هذه النسخة متوافرة لغرض التدريس والمناقشة مع الطلبة (ولمن يريد أن يطلع عليها). وفي الأخير آثرت أن أعلق على هذا الموضوع المهم وتوضيح ما أراه ضروريا وبخاصة أن فكرة الربط بين المفاهيم الكمية والنوعية دعوة ليست غائبة أصلا في العلماء المنظرين في المجتمع العلمي المتقدم لا سيما وهم من يقودون ناصية العلم. وفي هذا أقول: لقد أثرت فيّ بشكل كبير تلك الدعوة لإعادة قراءة المفاهيم الجيومكانية، والتركيز على طبيعتها الديناميكية المتأرجحة بين المفهوم والواقع، وأهمية تجاوز النظرة للمفاهيم كهيئات جامدة -كما ورد في المقال. كما أنني اتفق تمامًا مع ما ورد في المقال عن أن فهم العالم (الجيومكاني) بكل تعقيداته يتطلب نظرة واعية لأبعاد الظواهر الجغرافية وعلاقاتها البينية مفاهيميا وتطبيقيا.
وفي سياق قراءتي المتأنية لمقال الأستاذ الدكتور يحي أبو الخير، خطر لي اقتراح بسيط قد يثري طرحه أكثر ويضعه في سياقه الأكاديمي الأوسع. أتساءل عما إذا كان الرجوع إلى مجال الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية (GISc) قد يكون مفيدًا لتعزيز المقال. ففي الواقع، يبدو لي أن العديد من القضايا التي يثيرها المقال- مثل طبيعة المفاهيم الجيومكانية، والتمييز بين المقيس وغير المقيس، وكيفية بناء منظومة مفاهيمية متكاملة - هي قضايا جوهرية يتم تناولها بشكل معمق في مجال الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية، باعتباره علما نظريا تطبيقيا شاملاً معني بدراسة الواقع الجغرافي معتمداً على مفاهيم وأسس لعلوم أساسية وفرعية أخرى. هذا المجال البحثي (الأنطولوجيا)، كما هو معلوم، يهتم بالأسس الفلسفية والمعرفية لتمثيل المعلومات الجغرافية، ويسعى إلى تطوير أنطولوجيات رسمية (Formal ontologies) للمفاهيم الجيومكانية بهدف تحسين التكامل بين الأنظمة، ودعم الاستدلال الآلي، وتعميق فهمنا لطبيعة المكان والزمان في السياق الرقمي. فكما ذكرت آنفا، فإن جوهر مقال الأستاذ الدكتور أبو الخير يلامس قضايا أنطولوجية أساسية؛ ذلك أنه يتناول طبيعة المفاهيم الجيومكانية، والعلاقة المعقدة بين هذه المفاهيم والواقع الذي تمثله، والتمييز الدقيق بين ما هو قابل للقياس الكمي وما هو غير قابل لذلك ولكنه لا يقل أهمية في فهمنا للعالم، وكيفية بناء منظومة مفاهيمية متكاملة ومتماسكة تجمع بين هذين الجانبين. هذه القضايا هي في صميم الأسئلة التي تطرحها الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية. فالأنطولوجيا، في أبسط تعريفاتها، هي فرع من الفلسفة يبحث في الوجود، وفي طبيعة الكينونة، وفي تصنيف الكائنات. وفي سياق علم المعلومات الجغرافية، تهتم الأنطولوجيا بالعديد من الجوانب التي تتلاقى بشكل كبير مع ما طرحه الأستاذ الدكتور أبو الخير في مقاله. وهنا أبين أمثلة محددة:
1) طبيعة الكيانات الجغرافية، يتساءل الأستاذ الدكتور أبو الخير بشكل ضمني عن طبيعة المفاهيم الجيومكانية، وما إذا كانت مجرد تمثيلات رقمية أم أنها تعكس جوانب أعمق وأكثر تعقيدًا من الواقع. وهذا السؤال هو نفسه ما تطرحه الأنطولوجيا حول طبيعة الكيانات الجغرافية: ما الكيانات الجغرافية الأساسية؟ هل هي مجرد نقاط وخطوط ومضلعات على الخريطة، أم أنها أشياء ذات وجود أعمق وخصائص معقدة تتجاوز تمثيلها الهندسي؟
2) عن العلاقات المكانية والزمانية، يؤكد الأستاذ الدكتور أبو الخير على أهمية فهم الديناميكية والحركية المميزة للظواهر الجيومكانية. والأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية تهتم بشكل كبير بطبيعة العلاقات المكانية (مثل الجوار، الاتصال، الاحتواء) والعلاقات الزمنية (مثل التتابع، التزامن). كيف يمكن تمثيل هذه العلاقات بشكل رسمي ودقيق في النظم الحاسوبية لكي تعكس تعقيد الواقع؟
3) تصنيف المفاهيم الجيومكانية، يدعو الأستاذ الدكتور أبو الخير إلى إعادة قراءة نقدية للمفاهيم الجيومكانية الأساسية وتبني منظور جديد يرى المنظومة المفاهيمية ككل متكامل. الأنطولوجيا تهتم بكيفية تنظيم وتصنيف المفاهيم الجيومكانية بشكل هرمي أو شبكي بحيث يعكس بنيتها المنطقية وعلاقاتها المتبادلة، وهو ما يسهم في تحقيق التكامل الذي يدعو إليه الأستاذ الدكتور أبو الخير.
4) الفجوة بين العالم الواقعي والتمثيل الرقمي، يشير الأستاذ الدكتور أبو الخير إلى «أزمة عدم الانسجام بين المفهوم والواقع». الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية تتناول بشكل مباشر هذه الفجوة، وتسعى إلى تطوير طرائق لسد الفجوة بين تعقيد العالم الواقعي وبين بساطة التمثيل الرقمي للمعلومات الجغرافية في النظم الحاسوبية.
إن قضية المفاهيم غير المقيسة وعلاقتها بالمفاهيم المقيسة ليست غائبة عن اهتمام العلماء في مجال علم المعلومات الجغرافية. بل على العكس؛ الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية هي مجال بحث نشط ومهم منذ عقود. وهناك كم كبير من الأدبيات المتخصصة التي تتناول هذه القضايا بشكل تفصيلي ومنهجي. والنقاشات في هذا جارية ومستمرة والباحثون في هذا المجال يعملون على سبيل المثال:
1) تطوير أنطولوجيات رسمية (Formal ontologies) للمعلومات الجغرافية، وهذه الأنطولوجيات تسعى إلى توفير تمثيل رسمي ومنظم للمفاهيم الجيومكانية، وعلاقاتها، وخصائصها، بهدف تحسين تبادل البيانات، والتكامل بين الأنظمة، ودعم الاستدلال الآلي، وهو ما يتماشى مع دعوة الأستاذ الدكتور أبو الخير إلى بناء منظومة مفاهيمية متكاملة.
2) استكشاف الطبيعة الأنطولوجية للمكان والزمان، حيث إن البحث في طبيعة المكان والزمان ليس مجرد تمرين فلسفي، بل له انعكاسات عملية على كيفية تصميم نظم المعلومات الجغرافية، وكيفية تحليل البيانات المكانية والزمانية، وهو ما يؤكد عليه الأستاذ الدكتور أبو الخير في مقاله عند حديثه عن «المكانية» و»الزمانية» كمفاهيم مجردة.
3) معالجة المفاهيم غير المؤكدة والغامضة، والأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية تتناول أيضاً كيفية التعامل مع المفاهيم الجيومكانية التي ليست محددة بشكل قاطع، والتي قد تكون غامضة أو ذات تفسيرات متعددة، وهو ما يمكن أن يسهم في معالجة «أزمة عدم الانسجام بين المفهوم والواقع» التي أشار إليها الأستاذ الدكتور أبو الخير.
4) تصنيف الكيانات الجغرافية، ويرتبط هذا بتحديات تصنيف الكيانات (Entity classification) الجغرافية في أنطولوجيات رسمية (Formal ontologies)، مع مراعاة التنوع والتعقيد في العالم الواقعي، وهو ما يرتبط بتأكيد الأستاذ الدكتور أبو الخير على أهمية فهم بنية الظواهر.
5) تمثيل العلاقات المكانية والزمانية، ويتضمن هذا تطوير نماذج أنطولوجية لتمثيل أنواع مختلفة من العلاقات المكانية والزمانية، بما في ذلك العلاقات النوعية والكمية، وهو ما يتصل بدعوة الأستاذ الدكتور أبو الخير إلى فهم ديناميكية الظواهر.
6) التعامل مع الغموض وعدم اليقين، ويشتمل على كيفية تمثيل المفاهيم الجيومكانية التي تتسم بالغموض وعدم اليقين، مثل المفاهيم المتعلقة بالمناطق الحدودية أو الظواهر الديناميكية، وهو ما يلامس قضية «أزمة عدم الانسجام» التي ذكرها الأستاذ الدكتور أبو الخير.
7) الأنطولوجيات العليا (Upper Ontologies) وتطبيقاتها في علم المعلومات الجغرافية، وفي هذا يتم استخدام الأنطولوجيات العليا، مثل DOLCE أو BFO، كأسس لتطوير أنطولوجيات جغرافية أكثر شمولية وتكاملاً، وهو ما يدعم رؤية الأستاذ الدكتور أبو الخير لمنظومة مفاهيمية متكاملة.
وبناءً على ما تقدم، أرى أنه إذا لم يُرجع إلى الأدبيات الأنطولوجية في علم المعلومات الجغرافية، فهناك خطر حقيقي من أن نعيد اختراع العجلة، أو أن نطرح أفكارًا قد سبق تناولها بشكل أعمق وأكثر تفصيلاً في هذا المجال المتخصص. فما قد يبدو أننا نتناول أو نقترح رؤى قيمة، إلا أنه من الضروري وضع هذه الرؤى في سياق البحث الموجود بالفعل، والبناء عليه، وتجنب تكرار الجهود أو تجاهل التراكم المعرفي.
قد يكون الرجوع إلى الأدبيات التي ذكرتها في تعليقي مفيدًا في وضع طرح الأستاذ الدكتور أبو الخير في سياق أوسع، وإظهار أن هذه القضايا ليست غائبة عن اهتمام الباحثين في المجال، بل هي محل نقاش وبحث مستمر. على سبيل المثال: يشير مقال Goodchild (2009) ضمنيًا إلى الحاجة لتوسيع نطاق علم المعلومات الجغرافية ليشمل أبعادًا غير مقيسة وأكثر إنسانية، وهو ما يتفق مع جوهر مقال الأستاذ الدكتور أبو الخير. ومقال Kwan (2002) يوضح كيف يمكن دمج المنظورات النسوية التي تركز على الجوانب غير المقيسة في نظم المعلومات الجغرافية، مما يقدم مثالًا عمليًا على الربط بين المقيس وغير المقيس. وكتاب Pickles (1995) ينتقد النزعة الوضعية والتمركز الكمي في نظم المعلومات الجغرافية، ويدعو إلى فهم أعمق للسياقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل إنتاج واستخدام المعلومات الجغرافية، وهو ما يتماشى مع دعوة الأستاذ الدكتور أبو الخير إلى إعادة قراءة نقدية للمفاهيم. وكتاب Elwood الجزيرة Cope (200 9) يقدم دليلًا منهجيًا لدمج المناهج النوعية والكمية في نظم المعلومات الجغرافية، وهو ما يمثل تجسيدًا عمليًا للنموذج المفاهيمي المتكامل الذي يدعو إليه الأستاذ الدكتور أبو الخير.
ختامًا، أود أن أكرر شكري وتقديري للأستاذ الدكتور يحيى أبو الخير على هذا المقال المهم والمثير للتفكير، والذي فتح آفاقًا جديدة للنقاش حول الأسس النظرية للعلوم الجيومكانية. إن اقتراحي بالرجوع إلى مجال الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية ليس إلا محاولة لإثراء هذا النقاش ووضع الأفكار القيمة التي طرحها الأستاذ الدكتور أبو الخير في سياقها الأكاديمي الأوسع، مما قد يسهم في تعزيز البحث والتطوير في هذا المجال الحيوي. إن الربط بين رؤية الأستاذ الدكتور أبو الخير وأسس الأنطولوجيا في علم المعلومات الجغرافية يمكن أن يقودنا نحو فهم أعمق وأكثر شمولية للواقع الجيومكاني وتطبيقاته المتنوعة.