نورة المكينزي
في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد التباهي بالإنجازات اليومية جزءاً أصيلاً من تصفحنا الروتيني للمنصات المهنية بضغطة زر، يتكشف أمامنا عرض لا ينتهي من الترقيات والمشاريع والنجاحات الفردية. وبينما نراقب هذا السيل المتتابع من الأخبار تتسلل فكرة خفية، لكنها مثقلة بالضغط: «ربما تأخرت، الجميع يتقدمون، وأنا بالكاد أحرز خطوة».
قد يبدو هذا الشعور حديثاً، مرتبطاً بالعصر الرقمي وسرعة الإيقاع المهني المتزايد، لكنه امتداد طبيعي لفكرة أقدم، السباق، سباق مع الوقت مع الأقران، مع الذات، ومع كل ما يستجد من معايير النجاح المستحدثة. غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في فكرة السباق بحد ذاتها، بل في تصورنا بأن بلوغ خط النهاية يتطلب التضحية بجوانب أخرى من الحياة لصالح العمل، وكأن النجاح في أحدهما مشروط بتراجع الآخر.
يبدو هذا التصور جلياً في العمل الفني Severance، الذي يطرح خيالاً سوداوياً عن إمكانية فصل الحياة المهنية عن الشخصية فصلاً تاماً عبر عملية جراحية تفصل ذاكرة الفرد بين المكتب والمنزل. لا يعرف الشخص في العمل شيئاً عن حياته خارجه، والعكس صحيح ما يطرحه العمل هنا ليس حلاً خيالياً لأزمة التوازن بين العمل والحياة، بل كابوس وجودي يعبر عن معضلة حقيقية: ما الذي يعنيه أن تكون ناجحاً في العمل بينما تفقد إحساسك بذاتك خارجه؟ وهل بوسع الإنسان أن يتخلى عن حياته الشخصية دون أن يخسر شيئاً جوهرياً في تعريفه لنفسه؟
في واقع أكثر تعقيداً من خيال المسلسل، لا يحتاج المرء إلى عملية جراحية كي ينفصل عن ذاته، يكفي أن يذوب في متطلبات العمل بلا هوادة، أن يطارد أهدافاً مؤجلة بلا توقف، وأن يعيد تعريف الراحة بوصفها فرصة لتحسين الأداء لاحقاً. ومع الوقت، يتحول السعي المشروع لتحسين الحياة المهنية إلى مشروع يستهلك الحياة ذاتها.
بعيداً عن الخطابات التقليدية التي تقدم «التوازن» كغاية سهلة المنال عبر نصائح سطحية، يمكن التفكير في المسألة من زاوية أخرى ما الذي يجعلنا نسلم، ضمنياً، بأن العمل هو مركز الثقل الأهم في الحياة؟ ولماذا باتت فكرة «الإنجاز» محصورة بما يمكن قياسه وعرضه ومشاركته على الملأ؟ وهل من الإنصاف اختزال قيمة الإنسان في سيرته المهنية وأرقامه التي يحدثها كل عام؟
الاعتراف بضآلة هذه الأسئلة أمام وهج السباق المهني قد يكون الخطوة الأولى لتفكيكها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمجرد توزيع عادل للوقت بين المكتب والمنزل، بل بإعادة النظر في معاني النجاح نفسها. ماذا لو كان النجاح، ببساطة، هو أن نمضي في طريقنا دون أن نستهلك صحتنا في الركض، أن تبلغ منتصف النهار دون شعور خفي بأننا تأخرنا عن موعد ما لم يحدد أصلاً؟ أن نقرأ إنجازات الآخرين دون أن تتحول إلى مرايا مشوشة نقيس بها أعمارنا؟
في نهاية الأمر، ليس المطلوب أن تتوقف عن العمل، ولا أن نستقيل من طموحاتنا، بل أن تتصالح مع فكرة أن الحياة لا تختزل في سيرة ذاتية، وأن أفضل ما قد تحققه أحياناً هو أن نظل قادرين على العيش خارج المكتب، بحضور كامل وطمأنينة لا تحتاج إلى إعلان.