الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تأخير الزواج من الشباب والفتيات، وهو ما يعد مخالفة للفطرة السليمة، وأحد مسارات تحقيق الوجود الفاعل السعيد في هذه الحياة. وأكدت الدراسات العلمية أن لتأخير الزواج عواقب سيئة على الفرد والمجتمع.«الجزيرة» ناقشت تلك القضية مع عدد من المهتمين بذلك.
نعمة عظيمة
يؤكد الشيخ عبدالعزيز بن صالح الكنهل المستشار الشرعي والأسري أن ظاهرة تأخر الشباب والشابات عن الزواج ظاهرة مقلقلة جداً، خاصة أن للزواج أهدافاً عظيمة لا يستغني عنها كل من الجنسين بأي حال، وقد عبر الله - سبحانه - عنها بأجمل تعبير في قوله عز وجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (21) سورة الروم.
ففاقدو الزواج لا يتنعمون بهذه النعم العظيمة وهي: السكن (النفسي والجسدي)، والمودة، والرحمة.
ومن الطرائف المعبرة أن شاباً تزوج وبعد زاوجه وما وجده من راحة وسكن ومودة واستعفاف، وزاره زملاؤه فقال لهم منازحاً ابعدوا عني أنتم سفهاء؟!
فقالوا له يعني أنت قبل الزواج كنت سفيهاً، قال: نعم.
أسباب التأخر
يشير المستشار الكنهل إلى أن الناظر في أسباب تأخر بعض الشباب من الجنسين عن الزواج يجد لذلك أسباباً كثيرة، منها: غلاء المهور وتكاليف الزواج الأخرى القصور والأسفار وغيرها وما يترتب عليها من ديون تقصم الظهر، ومنها كثرة حالات الطلاق والخلع جعلت من يفكر في الزواج متردداً خائفاً من سوء العاقبة، ومنها الاشتراطات التي لا داعي لها مما تضعه بعض الفتيات بزعم أنها تزيد من مساحة حريتها المزعومة ولا تتيح فرصة للرجل لفرض قوامته الشرعية، ومنها ضعف الرغبة من قبل بعض الشباب في تحمل المسؤولية الأسرية، ومنها تقديم بعض الشباب حب المظاهر مثل سيارة فخمة بالديون، ومنها ضعف مستوى الالتزام الديني أنتج بعض المخالفات الشرعية المنفرة، ومنها احتجاج بعض الفتيات بإكمال الدراسات العليا، ومن ثم الوظيفة، ومنها ضعف الحث على الزواج وبيان محاسنه من قبل أولياء الأمور لكلا الجنسين، ومنها التساهل في رد الخاطب الكفء لأسباب غير شرعية والنبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من ذلك وأوضح مفسدته العظيمة في الحديث التالي: (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض). رواه الترمذي وحسنه الألباني، ومنها الاستماع لقصص غير الموفقين في الزواج ذكوراً وإناثاً وما حصل لهم من المآسي وتزهيدهم لغيرهم من الجنسين في الزواج، ومنها ضعف التعظيم لشعيرة الزواج وهو سنة الأنبياء وحاجة فطرية والله سبحانه يقول: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (32) سورة الحـج، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال(..... أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي) متفق عليه، ومنها أن اللاتي يردن الخطاب الأكفاء لأسباب غير شرعية لتحصيل حظوظ دنيوية لا يدركون خطورة ذلك على مستقبلهن، حيث يتعرضن لتقدم العمر ثم إعراض الخطاب عنهن وبقاؤهن يندبن الحظ ويتحسرن، ومنها تقديم شهوات النفس في الدعة والراحة كما يزعمون، بينما الراحة الحقيقية هي في الزواج وما يتبعه من استقرار عاطفي وجنسي وسكن ومودة ورحمة وإبعاد للخواطر السيئة في الحرام. حفظ الله شبابنا وشاباتنا ورزقهم تعظيم شعيرة الزواج.
أضرار التأخير
يشير الشيخ عبدالكريم بن فهد المشيقح الداعية إلى أن في الحياة غرائز طيبة وجميلة منها ما هو ضروري ومهم، ومنها ما هو أخف أهمية، ومن هذه الغرائز غريزة التزاوج والنكاح بين جميع كائنات الحياة ليستمر البقاء لهذه الأجناس، وقد ركب الله هذه الغرائز أنها متى ما أصبحت جاهزة للاستعمال أصبح الطلب عليها نفسياً وجسدياً يكون قوته ورغبته أكبر في بداية نشأة هذه الغريزة، لذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج».
والإنسان إذا بلغ الحلم أصبح جاهزاً لإشباع هذه الغريزة، يقول الطب الحديث إن الساعة البيولوجية متعلقة أيضاً بالغريزة الجنسية فكلما تأخر الإنسان عن الزواج كان أدعى إلى الخلل بهذه الساعة البيولوجية، كما أن الإنسان في بداية العمر وما قبل العشرين وما حولها تكون طلباته قليلة ويمكنه التنازل عن بعضها سواء الشاب أو الشابة، فيكون ذلك أدعى وأيسر أن يتفقوا بينهم ولا يتعنت ولا يتعصب كل منهم لرأيه ورغبته، ولاشك أن العناد وتقديم الرغبات على حساب الآخرين يكون وسيلة إلى عدم الوفاق والتوافق، ولذلك فإن تأخر الزواج كلما تقدم أكثر كان ينعكس على الحياة الزوجية أكثر ويصعبها أشد الله أعلم.
سمة العصر
تتفق الدكتورة دعد قرقوط أخصائية أمراض النساء والولادة بالرياض على أن الزواج المتأخر أصبح سمة هذا العصر لأسباب متعددة، وبالتالي تأخر الإنجاب، وننصح بعدم التأخر لأسباب طبية، منها أن تأخر الإنجاب يزيد من صعوبة الحمل ويقلل فرص الإنجاب، كما أن نسبة تشوهات الأجنة الموافقة للإنجاب في السن المتأخرة أيضًا تزداد بعد عمر الخامسة والثلاثين، وتزداد مخاطر التشوهات المرافقة لزيادة عدد الكروموزومات عند العدد الطبيعي، وهي متلازمة داون، ومتلازمة ادوارد، ومتلازمة بلاتوا وهي زيادة في عدد الكروموزوم رقم 21 و18 و13 على التوالي.
وتضيف د. دعد قرقوط أخصائية أمراض النساء والولادة بالرياض، قائلة: الملاحظ أن حدوث أحد هذه التشوهات تزداد مع زيادة العمر، مثلاً متلازمة داون عند عمر 35 إلى 39 تكون نسبة حدوثها 1؛ 300، وعن عمر 40 إلى 45 نسبة حدوث المتلازمة من 1 : 80 وهي تعد نسبة عالية تزداد بالعمر، مشيرة إلى أنه يوجد تحليل نجرّبه للاطمئنان من هذه التشوهات.