نجلاء العتيبي
تمتلئُ البيوت بروائح التوابل والمخبوزات وكأنها تنبض بالحياة، مع كل وجبة تُعَدُّ بحبٍّ من المطابخ تتصاعد أنفاسُ الزمن القديم، تحمل في طيَّاتها أسرار الجدات، ولمسات الأمهات، فالأكلات الشعبية ليست مجرد أطباقٍ تُقدَّم على الموائد؛ إنها ذاكرة تتجدَّد مع كل لقمة، وشفرة تُنقل عبر الأجيال تحفظ الملامح الأصيلة للهوية.
قبل الغروب يسود هدوءٌ يملأه الترقُّب، العيون تُتابع عقارب الساعة، فيما تعوق الأجواء برائحة الحساء الدافئ، والخبز التقليدي؛ ذلك الذي عجَنته الجدَّات بأيديهنَّ، وظل محتفظًا بمكانته يُقدَّم بالسمن والعسل وكأنه وثيقةُ أصالةٍ لا تتغيَّر، على السُّفرة تتلاقى الأجيال حول نكهاتٍ لا تخطئها الذاكرة، فكل طبقٍ يحكي قصة، وكل وصفةٍ تحمل في تفاصيلها تاريخًا لا يحق له أن يُنسى.
ليس الطعام وحده ما يُتوارث، بل الحب والألفة التي تحيط به تلك اللحظات التي يقف فيها الصغار بجوار الكبار يراقبون بدقةٍ، يتعلَّمون بالأعين قبل الأيدي كيف يُعجَن العجين، وكيف تُطهى الأطباق بحبٍّ وصبرٍ، ليسوا مجرد متلقين للوصفات؛ إنهم شهودٌ على تاريخ يُعاد صنعه كل يومٍ؛ ليبقى متجذرًا في الذاكرة، كما تبقى جذور الشجر ممتدَّة في الأرض.
في السحور يُنتقى الطعام بحكمةٍ، تمامًا كما اعتاد الأجداد حين كانوا يختارون الأصناف التي تمنح الطاقة للصيام.
لم تكن المسألة مجرد تغذيةٍ، بل كانت درايةً عميقةً بقيمة كل مُكوِّنٍ، وفهمًا عفويًّا لطبيعة الجسد وما يحتاجه، وفي ليالي السمر حيث تدور الأحاديث حول موائدَ عامرةٍ يُدرك الإنسان أن هذه الأكلات ليست مجرد وجباتٍ تُشبِع الجوع، بل طقوس تُشبع الروح، وجسرٌ يصل بين الماضي والحاضر؛ ليظل المذاق القديم ممتدًّا، لا يشيخ ولا يُمحى.
ضوء
(الطعام الشعبي يجسِّد الهوية، حكاية تنبض بالحياة، تُحكى من جيل إلى جيل، وتظلُّ نكهته عالقة في الذاكرة مهما مرَّ الزمان).