تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مكانتها كمركز عالمي للابتكار والتكنولوجيا، مستفيدة من الفعاليات الكبرى مثل LEAP، وDavos in the Desert (مبادرة مستقبل الاستثمار)، وGitex Global، ومؤتمر التقنية بلا حدود (Beyond Tech)، والقمة العالمية للذكاء الاصطناعي، التي أصبحت منصات رئيسية لاستقطاب الاستثمارات، وتحفيز الابتكار، ودعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي. ويشير الرسم البياني رقم 1عن ارتباط وثيق بين مؤشر الابتكار والنمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية، حيث شهد مؤشر الابتكار ارتفاعًا ملحوظًا حتى بلغ ذروته في عام 2014 عند 41.6 نقطة. غير أنه ابتداءً من عام 2014، بدأ مؤشر الابتكار في التراجع التدريجي حتى وصل إلى أدنى مستوياته في عام 2020 عند 30.9 نقطة، وهو العام الذي شهد فيه الاقتصاد السعودي انكماشًا حادًا بمعدل -3.58%، مما يعكس تأثير جائحة كورونا على القطاعات المختلفة. ويبدو أن هناك علاقة ارتباطية بين انخفاض الابتكار وتباطؤ النمو الاقتصادي، حيث يؤدي تراجع الاستثمارات في الابتكار إلى انخفاض الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية.
إلا انه مع بداية عام 2020، شهدت المملكة تحولًا جذريًا في سياسات الابتكار، حيث أصبح التحول الرقمي والتكنولوجيا ركنا اصيلا في استراتيجياتها التنموية. انعكس ذلك في ارتفاع مؤشر الابتكار بالتوازي مع تعافٍ اقتصادي واضح، حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 7.49% في 2022. وفي حين ارتفع مؤشر الابتكار بشكل طفيف مقارنة بالعام السابق، لكنه لم يستعيد مستوياته السابقة. ويشير ذلك إلى أن الانتعاش الاقتصادي قد يكون مدفوعًا بعوامل أخرى مثل ارتفاع أسعار النفط أو زيادة الإنفاق الحكومي، وليس بالضرورة بتحسن في بيئة الابتكار. وفي عام 2024، تشير التقديرات إلى أن مؤشر الابتكار ارتفع إلى 33.9 نقطة، بينما انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 2.71%، مما يعكس احتمال استقرار الاقتصاد بعد التعافي السريع الذي شهده من بداية 2022. بناءً على هذه الاتجاهات، يمكن الاستنتاج أن العلاقة بين الابتكار والنمو الاقتصادي ليست خطية، حيث يمكن أن يتحسن النمو الاقتصادي نتيجة لعوامل خارجية مثل أسعار النفط والسياسات المالية، في حين أن الابتكار يلعب دورًا طويل الأجل في تعزيز الإنتاجية والتنافسية.
وعلى الرغم من الانخفاض الذي شهدته الاستثمارات الأجنبية في 2023، حيث بلغت 12.3 مليار دولار، تشير بيانات عام 2024 إلى تحسن في مؤشر المعرفة والتكنولوجيا ليصل إلى 20.6 نقطة، مما قد يعكس بداية استقرار في بيئة الاستثمار. كما تُبرز العلاقة بين المؤشرين الأهمية الاستراتيجية لتدفقات الاستثمارات الأجنبية في دفع عجلة التطور المعرفي والتكنولوجي، حيث تسهم هذه التدفقات في تمويل أنشطة البحث والتطوير وتبني التقنيات الحديثة. ومع ذلك، فإن التقلبات الحادة في الاستثمارات الأجنبية قد تشكل عائقًا أمام استدامة النمو التكنولوجي، مما يستلزم تبني استراتيجيات فعالة لضمان استقرار تدفقات الاستثمار، وبالتالي تعزيز النمو الاقتصادي القائم على المعرفة والابتكار. وجاء هذا التحول نتيجة سياسات حكومية قوية شملت تعزيز الاستثمارات في القطاعات التكنولوجية وكذلك تكثيف التعاون مع الشركات العالمية في مجال التقنية بالإضافة الى إطلاق العديد من المبادرات الكبرى التي دعم التحول نحو الاقتصاد المعرفى.
كما أصبحت القطاعات غير النفطية، مثل الذكاء الاصطناعي، التقنيات المالية، إنترنت الأشياء، والأمن السيبراني، محركًا رئيسيًا للنمو، ما يدعم استراتيجية التنويع الاقتصادي. ويحمل هذا التحول في طياته انعكاسات استراتيجيةعلى مستقبل الاقتصاد السعودي. فمن جهة، يعززالابتكار الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد، حيث يُظهر الارتباط الوثيق بين منتج المعرفة والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية أن الاقتصاد القائم على المعرفة أكثر قدرة على مواجهة التحديات العالمية، ومن جهة أخرى، يدفع المملكة إلى مقدمة المشهد الاستثماري العالمي، إذ أصبحت وجهة مفضلة للمستثمرين في التكنولوجيا، وهو ما ينعكس على خلق فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، ودعم ريادة الأعمال.
وفقًا لهيكل الاقتصاد السعودي، يُقدر المضاعف النقدي للاستثمارات أن يتراوح بين 2.2 و .2.8 وبالنظر إلى متوسط المضاعف النقدي للاستثمارات التكنولوجية عالميًا، الذي يبلغ 3، فإن التأثير المتوقع لاستثمارات LEAP 2025، والتي تجاوزت 25 مليار دولار، قد يصل إلى تحقيق قيمة مضافة بنحو 75 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة. ومقارنةً بأفضل الممارسات الدولية، تُظهر البيانات أن المملكة تمضي قدمًا في تجاوز هذا النطاق عبر تنويع اقتصادها وتعزيز اقتصادها الرقمي، مما يجعلها في موقع استراتيجي لتحقيق مضاعفات استثمارية أعلى في المستقبل القريب.
ختاما، فان توجه المملكة ما هو الا إعلان واضح عن مستقبل جديد تقوده السعودية في الابتكار والتكنولوجيا، حيث تتحول المملكة من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومُصدر للحلول التقنية المتقدمة، مستندةً إلى قاعدة صلبة من الاستثمارات والاستراتيجيات الطموحة.
** **
د. هدى منصور - أستاذ الاقتصاد متخصص بتحليل البيانات والابتكار الاقتصادي