مشعل الحارثي
على حين غرة داهمت نذر الموت يوم الأحد الماضي 11 رجب 1446هـ الأديب والكاتب الأستاذ علي خضران القرني ورحل عن دنيانا الفانية بكل هدوء وصمت؛ بعد أن داهمه المرض لعدة أيام قليلة ولم يمهله طويلاً مخلفاً في نفوسنا وأسرته وأصدقائه وكل من عرفه غيمة كبيرة من الحزن والألم العميق على فقده ووداعه المفاجئ.
الأستاذ علي خضران القرني من الأسماء المحفورة في ذاكرة رجال ومجتمع الطائف التي عرفته كرجل تربية وتعليم، خدم بها ما يقارب (34) عاماً في إدارة تعليم البنات، وكان آخر منصب شغله بها مساعد مدير التعليم، وعرفته الطائف ككاتب ومثقف وأديب من أدباء المملكة الذين عاصروا الرعيل الأول، وكان أحد الشهود على مرحلة البدايات الصحفية ونهوض الأدب السعودي وانطلاقاته الأولى.
الفقيد من مواليد عام 1358هـ ببلقرن وتلقى تعليمه العام بمكة المكرمة والرياض والطائف، وبدأت حياته الوظيفية عام 1377هـ، وشارك بمقالاته في معظم المجلات والصحف السعودية.
هذا الرجل كان لي معه الكثير من الذكريات والمواقف الجميلة التي لا تنسى ولا تغيب عن خاطري والتي بدأت بالتعرف عليه وأنا طالب بالمرحلة الإعدادية، فكنت أقرأ له مقالاته الرصينة في مجلة المنهل مع مجموعة من أدباء الطائف آنذاك أمثال الأستاذ محمد سعيد كمال، والأستاذ عبد الرحمن المعمر، والأستاذ حماد السالمي، والأستاذ علي العبادي، والأستاذ مناحي القثامي وغيرهم، وكانت هذه المجلة حينها تعد مشكاة ضياء لجيل من الأدباء الشباب ومصدر من مصادر تكوينهم الثقافي.
ولا أنسى لقائي الأول معه في إحدى المناسبات الثقافية بالطائف وكنت وقتها بالمرحلة الجامعية، واستشعرت حينها مدى ما يتحلى به الرجل من رزانة ووقار وحكمة وهدوء وجلد وصبر، وحديثه الموزون بثبات ودقة، ولتتأكد هذه الصفات في شخصيته عندما تعرفت عليه أكثر من خلال زياراتي المتكررة له بإدارة تعليم البنات أو في النادي الأدبي الثقافي بالطائف، إذ يعد من مؤسسيه الأوائل وأحد ركائزه الفاعلة، وشغل في إحدى دوراته منصب نائب رئيس النادي، إلى جانب عضويته الشرفية في كل من نادي مكة الثقافي الأدبي، ونادي جدة الأدبي. ومن الذكريات العالقة بالذهن أنني عندما طلبت زيارته في داره لأطلع على مكتبته الخاصة لكي أضمنها كتابي عن (تاريخ المكتبات في الطائف) رحب بي بكل أريحية ومودة، إلا أنه طلب مني أن أسمح له بالاطلاع على المسودة النهائية للكتاب، وعندما اطلع عليها وبدون علمي كتب تقريراً لرئيس النادي آنذاك الأستاذ حماد السالمي بأهمية وضرورة أن يطبع هذا الكتاب ضمن مطبوعات النادي، وفعلاً تحقق ذلك ليفتح لي الباب لدخول عالم الكتب والبحث والتأليف، وهو ما يؤكد أيضاً مدى حرص أدبائنا الكبار على تشجيع الشباب والأخذ بيدهم ليواصلوا مشوار الأدب وحصد ثمار العلم والمعرفة.
وكان مما سطره يراعه -رحمه الله- عن عشقه وولعه بالقراءة والكتاب وكيفية تكوين مكتبته الخاصة في كتابي السابق ذكره قوله: (كانت من أولى هواياتي واهتماماتي في الحياة لها ومن أجلها كنت أنفق معظم مرتبي في اقتناء الكتب وتصيد الجديد منها. ومع مرور الأيام تكونت لدي مكتبة تناسب ميولي وطموحاتي في عالم الثقافة والمعرفة قديمها والجديد. وما زالت هذه الهواية تجري في عروقي مجرى الدم فهي أنيسي في الوحدة وسلوتي في الوحشة. وقد صرفتني هذه الهواية عن نشاطات أخرى خلال مسيرتي الوظيفية ربما درَّت عليّ أرباحاً مادية كما فعل العديد من زملائي.. غير أني لست آسفاً على ذلك. وكم عتبت علي أمي - رحمها الله - رأفةً منها بحالتي المادية وللعجز الواضح في ميزانية الأسرة نتيجة طغيان شراء الكتب على مصاريف البيت. وكانت تقول لي بصريح العبارة: (الجماعة ترجلوا يا علي) وحصيلتك غرفة تمتلئ بالكتب؟ ومعنى (ترجلوا) في عامية أهل الديرة يعني جمعوا من الأموال والعقار والأرصدة في غربتهم ما جعلهم من المشاهير. أما أنا فحصيلتي في نظرها غريفة تكتظ بالكتب، ولولا الله ثم الدولة -أيدها الله- لما استطعت أن أمتلك مثلها.
قلت لها: لو أراد الله يا أماه أن أكون غنياً لكنت، ولكنه قدري وقسمتي والحمد والشكر لله وأنا بذلك قانع، وقد أعاد إلي هذا الموقف ما كتبه صديقي وزميلي الأديب والأريب والناقد المتمكن الأستاذ علي محمد العمير - متعه الله بالصحة والعافية - في مقدمة مجموعة مؤلفاته السبعة الصادرة عن دار العمير الطبعة الأولى عام 1402هـ قوله: (لربما كان الكتاب من أسباب شقوتي وعدم قدرتي على تحقيق الحد الأدنى مما حققه غيري، إن ساعة واحدة مع الكتاب تساوي أياماً بل أعواماً من الحياة الفارغة الجوفاء التي يعيشها بعض أولئك الذين يعتبرهم عامة الناس من كبار الناجحين.
ولست نادماً على أن سيطرت هذه الهواية على كل الهوايات بالنسبة لي واستحوذت وتستحوذ على جزء من مرتبي، فقد كانت - بفضل الله وتوفيقه - الساعد الأيمن بعد الله - في نضج مسيرتي الكتابية والأدبية لغة وأسلوباً وفكراً وخيالاً. واستطعت أن أقتني ما يزيد على خمسة آلاف كتاب متنوعة المشارب والتخصصات تتصدرها (الأمهات) قديماً وحديثاً، وأسعد اللحظات عندي بعد أداء حقوق الله الواجبة والمكتوبة هي اللحظة التي أخلو فيها إلى مكتبتي أقرأ كتاباً جديداً أو أعود لأحد المراجع في استكمال بحث أو موضوع معين.
وقد عانيت كغيري في بدايات جمع الكتب: من ذلك قلة ذات اليد وندرة الكتب وقلة المكتبات المتخصصة، فالموجود منها آنذاك بالطائف مكتبة السيد محمد إبراهيم المؤيد، ومكتبة المعارف للشيخ محمد سعيد كمال - رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته -، أما اليوم فقد تعددت المكتبات - والحمد لله - وتنوعت الكتب ومعارض الكتب في الداخل والخارج ويعرض فيها العديد من نوادر الكتب والمطبوعات النادرة والمخطوطات.
رحم الله أبا خالد وتغمده بواسع مغفرته وأسكنه فسيح جناته ونفع قراء العربية بتراثه الأدبي الذي سيخلده مدى العمر من الكتب والمؤلفات ومئات المقالات، ومنها كتاب صور من المجتمع والحياة، وموسوعة من أدباء الطائف المعاصرين (تراجم وسير طبعة ثانية)، وكتاب قراءات عابرة - وديوان آهات، وأبها في مرآة الشعر المعاصر، وقراءة في الأعمال الشعرية للشاعر سعد عطية الغامدي وغيرها.
ولا يسعني في الختام إلا أن أقدم خالص عزائي لابنه الأكبر خالد وإخوانه وأسرته ولأدباء ورجال التربية والتعليم بالطائف وكل أصدقائه.. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).