نجلاء العتيبي
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا
كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ
في بيتٍ شعريٍّ خالدٍ؛ يُصوِّر زهيرُ بن أبي سلمى الكرمَ بأبهى معانيه، حيث يُصبح العطاءُ فرحةً مُتبادَلة، كأن السائل قد أغنى من سأله، هذه الصورة العميقة تدفعُنا للتأمُّل في مفهوم الكرم… ليس كفعل مادي فحسبُ، بل كقيمة أصيلة تنبعُ من أعماق النفس، بعيدًا عن الحسابات والتوقُّعات.
الكرم الحقيقي لا يُقاس بحجم العطاء بل بنقائه؛ إنه فعلٌ يُمنح بلا تردُّد بعيدًا عن الأضواء والمجاملات، ينبع من رغبة صادقة في إحداث أثر، صاحبُهُ لا ينتظر امتنانًا، ولا يبحث عن إعجاب؛ لأنه يرى العطاء جزءًا من كيانه، لا وسيلة لتحقيق غاية.
في المقابل؛ هناك عطاء لا يحمل سوى المظهر، يمنح ليُرى، ويُقدم بحثًا عن تقدير أو مكانة، هذا النوع قد يبدو برَّاقًا في لحظته، لكنه سرعان ما يتلاشى؛ لأنه لم ينبع من القلب، بل من رغبة في الظهور.
في تفاصيل الحياة.. يتجلَّى الكرم بأشكال مختلفة، قد يكون في كلمة تحمل دفئًا، في موقف يُشعر الآخر بالأمان، في استماع حقيقي لمن أثقلته الأيام.
ليس شرطًا أن يرتبط بالمال، فقد يكون في منح الوقت، في تقديم العون دون أن يُطلَب، في إحساس صادق يُشارَك بصمت.
لكنه يترك أثرًا لا يُمحى، هذه الأفعال الصغيرة تحمل في جوهرها معنى الكرم؛ لأنها تنبع من شعور حقيقي، لا من مصلحة أو تظاهُر.
الفرق بين العطاء الصادق والمجرَّد من المعنى يظهر بوضوح في أثره.
الأول يترك بصمة ممتدَّة، يمنح شعورًا بالدفء والامتنان، يبقى في الذاكرة؛ لأنه كان نابعًا من إحساس حقيقي.
أما الثاني فهو مجرَّد لحظة تنتهي بإنطفاء الأضواء؛ لأنه لم يحمل روح العطاء، بل كان مجرد صورة يُراد لها أن تُرى.
وفي زمن أصبحت فيه المظاهر طاغية! بات الكرم السطحي أكثر انتشارًا.
تُوثَّق اللحظات، ويُصنَع العطاء؛ ليُعرض أمام الآخرين، بينما جوهره غائب عن المشهد، لكنه يظلُّ سرابًا، لا يروي عطش الأرواح، ولا يترك أثرًا حقيقيًّا في النفوس.
أما الكرم الحقيقي فهو فعلٌ يتسلل بخفاء، لا يُعلن عن نفسه، لا يحتاج إلى تصفيق، يظهر في لحظة صدق، في موقف لا يُطلب، في يدٍ تمتدُّ دون أن تُرى.
إنه العطاء الذي يبقى أثره ممتدًّا؛ لأنه لم يُقدَّم بغرض التقدير، إنما بدافع أصيل.
إنه القوة التي تترك أثرًا لا يُنسى؛ لأنه وُهب بصدق بعيدًا عن أي مصلحة أو انتظار مقابل.
ضوء
«لا قيمة لعطائك إن لم يكن جزءًا من ذاتك».
-جبران خليل جبران.