الثقافية - علي القحطاني:
شهدت مسيرة الدكتور فايز الشهري، عميد كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود سابقا ومؤسس «المرصد السعودي للترجمة»، محطات متعددة شكلت علامة فارقة في مسيرته الأكاديمية والمهنية. فقد انطلق مشواره المهني في أواخر الثمانينيات بالعمل كمترجم ومذيع للغة الفرنسية في القناة السعودية الثانية (1409-_1412هـ/1989-1992م) حيث شكلت هذه الفترة تجربة محورية خاصة مع تزامنها مع أحداث غزو الكويت. وأتاحت له التجربة فرصة التفاعل مع إعلاميين دوليين، من بينهم فريق قناة CNN، مما أثرى خبراته في الترجمة والتحليل وصقل مهاراته في التواصل الحضاري.
في حديثه مع «الثقافية»، استعرض الدكتور الشهري مسيرته التي بدأت بتخرجه من جامعة الملك عبدالعزيز بدرجة البكالوريوس في لغة وحضارة فرنسية، وأوضح كيف أسهمت دراسته الصيفية المكثفة في فرنسا على مدى أربعة أعوام في إتقان اللغة وتعزيز معارفه الثقافية.
انتقل لاحقا إلى المجال الأكاديمي، حيث عمل معيدا في جامعة الملك سعود، قبل أن يبتعث إلى جامعة السوربون لإكمال دراساته العليا. وقد مهدت هذه التجربة الأكاديمية الطريق لإسهاماته الكبرى في مجال الترجمة، بما في ذلك تأسيس «المرصد السعودي للترجمة».
وتحدث الدكتور الشهري عن مشروع «مرصد الترجمة»، الذي يعد مبادرة رائدة لتوثيق حركة الترجمة في المملكة منذ عام 1352هـ/1932م وحتى الآن. وأشار إلى أن المشروع نجح في جمع بيانات شاملة حول 10,346 كتابا مترجما، مصنفة وفق معايير علمية دقيقة. كما تناول التحديات التي واجهها المشروع في مراحله الأولى، خصوصا قبل تأسيس مكتبة الملك فهد الوطنية، حيث كان التوثيق ضعيفا، ما صعب عملية جمع البيانات.
وأشار أيضا إلى الدور المحوري لهيئة الأدب والنشر والترجمة، التي تأسست عام 2020م، في دعم مشروع المرصد وتوسيع نطاقه ليشمل العالم العربي من خلال إطلاق «المرصد العربي للترجمة»، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون العربي في هذا المجال.
وفي ختام اللقاء، شدد الدكتور فايز الشهري على أهمية الترجمة كوسيلة لتحقيق رؤية المملكة 2030، من خلال تعزيز التواصل الثقافي والانفتاح على العالم. كما أعرب عن تفاؤله بمستقبل الترجمة في المملكة، مشيرا إلى الدعم الحكومي والطموح الشبابي المتزايد الذي يجعل من المملكة مركزا إقليميا ودوليا رائدا في مجال الترجمة والمعرفة.
البدايات
نود معرفة البدايات في فترة عملك كمترجم ومذيع في القناة التلفزيونية الثانية بين عامي 1989 و1992م (1409هـ - 1412هـ)، وكيف انعكست تلك التجربة على مسيرته الأكاديمية والمهنية في مجال الترجمة؟
تخرجت من جامعة الملك عبدالعزيز بكالوريوس «لغة وحضارة فرنسية» وخلال فترة الصيف لمدة أربعة أعوام أثناء دراسة البكالوريوس كنت أمضي شهرين سنويا في فرنسا دراسة لغة، مما أسهم في تطوير وتقوية لغتي الفرنسية وبالتالي بعد التخرج تقدمت على وظيفة معيد بجامعة الملك سعود وتم قبولي مبدئيا ولكن لعدم توفر رقم وظيفي حينئذ اتجهت للإعلام وتعينت على وظيفة مذيع لغة فرنسية بالقناة السعودية الثانية.
صاحب فترة تواجدي في التلفزيون فترة غزو الكويت حيث ركز الإعلام الدولي بكل لغاته على المنطقة وشاركت أيضا إلى جانب الأخبار في إعداد برامج وتقارير، وقابلت إعلاميين من دول وقنوات مختلفة ومنها قناة ال سي إن إن CNN الأشهر حينذاك. كل البرامج التي شاركت فيها والتجارب والشخصيات التي عملت معها أو قابلتها أضافت لي الكثير في تكوين الشخصية والتحليل والثقافة وحب التطوير، الخ.
وللرغبة والتطلع للأفضل في إكمال الدراسات العليا انتقلت إلى جامعة الملك سعود معيدا ثم ابتعثت للماجستير والدكتوراه إلى جامعة السربون.
مرصد الترجمة
حدثنا عن مشروع مرصد الترجمة؟ وماذا عن الجهود التي بذلت لتوثيق ورصد حركة الترجمة في المملكة؟ وكيف تمكن المشروع من حصر جميع الكتب المترجمة من وإلى اللغة العربية منذ عام 1352هـ/1932م وحتى الآن؟
تعد الترجمة أداة تفاعل حضاري تؤدي دورا رئيسا في التعرف على الآخر، والتواصل مع ثقافته وحضارته وعلمه، والاستفادة منها من جهة، ونقل الصورة الحقيقية عن المجتمعات العربية والإسلامية على وجه العموم، والمجتمع السعودي على وجه الخصوص، وكل ما يتعلق بتفاصيله على الأصعدة الدينية والثقافية والسياسية والعلمية، إضافة إلى عاداته وتقاليده من جهة أخرى.
ويعد المرصد قاعدة بيانات رقمية من خلال مسح وإحصاء للكتب المترجمة والصادرة في المملكة العربية السعودية للفترة 1932م- 2016م من وإلى اللغة العربية، وتصنيفها حسب السنة والموضوع والناشر والمكان واللغات وعدد الصفحات والعمل على توثيقها وفق معايير محددة.
وضمن اتفاقية مع هيئة الأدب والنشر والترجمة فقد خضعت نتائج المرصد لمعايير محددة وإضافة الكتب المترجمة ما بين 2016-2020،، حيث أشارت الإحصاءات إلى أن إجمالي الكتب المترجمة من و إلى اللغة العربية خلال الفترة الزمنية التي شملها الرصد (1932-2020) بلغ نحو 10346 كتابا خلال 89 سنة بمعدل نحو 116 كتابا سنويا.
ولقد نشأت فكرة المرصد عندما قرأت تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 الصادر عن اليونسكو حول حال الترجمة في الوطن العربي وما تضمنه من أرقام مضللة ولا تعكس واقع الترجمة الفعلي في العالم العربي حيث ذكر بأن العالم العربي لم يترجم من عهد الخليفة المأمون حتى تاريخ نشر التقرير عدا عشرة آلاف كتاب!
وعليه جعلت من حركة الترجمة في المملكة حالة دراسة عن ذلك ردا على ما ورد فيه..
لم تكن المهمة سهلة فلقد تم وضع معايير علمية صارمة للرصد والتوثيق ومن خلال عدة قنوات منها زيارة ميدانية للمكتبات الحكومية والأهلية خصوصا مكتبة الملك فهد الوطنية ومعارض الكتب والرجوع للتقارير والدراسات وغيرها تم تنفيذ المشروع.
ولقد مرت حركة الترجمة في المملكة بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (1932-1994)
تميزت هذه المرحلة بندرة الكتب المترجمة وصعوبة توثيقها، وبلغ عدد الكتب 550 كتابا الا أنها تميزت معظمها بجودتها ونوعيتها.
المرحلة الثانية (1995-2020)
شهدت تلك المرحلة طفرة كبيرة في عدد الكتب، الا أنه غلبت على معظمها الجوانب التجارية في الاختيار.
المرحلة الثالثة 2020 - فما بعد
يعد إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة تاريخ لتأسيس حركة ترجمة مهنية في المملكة وتحول نوعي لهذا القطاع.
التحديات والصعوبات
ما التحديات والصعوبات التي واجهها المرصد خلال مراحل الرصد؟ لاسيما وأن هذا المشروع الذي تقوم به شخصيا وتوليت أمره من ألفه إلى يائه؛ يقوم به فريق عمل متكامل؟
أصعب فترة للرصد كانت فترة ما قبل تأسيس مكتبة الملك فهد الوطنية 1986م. اتسمت تلك الفترة بعدم الاهتمام بالتوثيق والفردية والاجتهاد في عملية النشر إلى جانب اختفاء بعض جهات النشر أو جهل مصدر نشر بعض الكتب.
وعليه قيمكن إجمال الصعوبات التي واجهت الدراسة أهمها في:
- ضعف المصادر قبل تأسيس مكتبة الملك فهد الوطنية 1986م.
- نقص المعلومة خصوصا التاريخ للنشر أو الترجمة أو عدد الصفحات.
- تباين المعلومات بين دليل مكتبة الملك فهد وبعض دور النشر المعنية بالترجمة.
- صعوبة رصد عدد الكتب المترجمة لدى معظم دور النشر والجهات الحكومية بسبب ضعف التوثيق، وبالتالي عدم سهولة تصنيفها حسب الموضوع، سنة النشر، الناشر، ومكان النشر، ..الخ.
- عدم توفر قائمة ببليوغرافية محدثة باستمرار بالكتب المترجمة لدى معظم الجهات.
- عدم وجود جهة منظمة ومنسقة لحركة الترجمة.
- صعوبة حصر الجهات، سواء أكانت هيئات حكومية أو تعليمية أو خاصة، التي كان لها إسهامات في عملية الترجمة.
- حركة الترجمة في المملكة حركة فردية في معظمها وتلبي احتياجات القائمين بها.
- عدم تجاوب دور النشر في القطاع الخاص بشكل عام، في تقديم المعلومات الدقيقة التي تتعلق بأنشطتها، وخططها التسويقية الخاصة بموضوعات الترجمة.
وبالرغم من الصعوبات التي واجهت المرصد في جمع البيانات فقد استغرق العمل نحو عشرة أعوام سعيا للوصول إلى عناوين جميع الكتب المترجمة التي نشرت داخل حدود المملكة للفترة الزمنية 1932-2020م.
أول كتاب مترجم في المملكة
ما هو أول كتاب مترجم في المملكة العربية السعودية، وماذا عن الدور الذي لعبته دور النشر الرائدة في دعم حركة الترجمة ونشر الكتب المترجمة داخل المملكة؟
لقد وثق المرصد نتاج 65 جهة حكومية وأهلية، وكان أول عمل عن دار ثقيف للأديب أحمد عبد الغفور عطار، الزنابق الحمر، عام 1952م، والزنابق الحمر للشاعر الهندي (وهو من أصول المنطقة المسماة حاليا بنقلاديش) رابندرانات طاغور ترجمة: أحمد عبدالغفور عطار، وعدد الصفحات: 261 صفحة طبعة قديمة، ولقد صدرت في البدء على صورة مقالة عام 1951 في مجلة الأديب عدد 10 ثم نشرت علي هيئة كتاب لاحقا عام 1952.
وقد مثلت كل من جامعة الملك سعود، ومكتبة جرير، ومكتبة العبيكان نسبة 76 % من المجموع العام للكتب المترجمة للفترة المستهدفة للمرصد (1932-2020م).
تأثير الترجمة
ما تأثير الترجمة على تطوير الإنتاج المعرفي في المملكة العربية السعودية؟ وكيف أثرت مرحلتا ما قبل وما بعد تطبيق نظام الإيداع والتوثيق في مكتبة الملك فهد الوطنية على حركة الترجمة؟ وما السبل المقترحة لتعزيز توحيد المصطلحات والترجمة العلمية لتحقيق تواصل ثقافي أوسع؟
لقد كان تطبيق نظام الإيداع والتوثيق عام1994 م (تاريخ تطبيق نظام الإيداع والترقيمات الدولية في مكتبة الملك فهد الوطنية عام 1414هـ) تأثير كبير في تطوير الإنتاج المعرفي وتنظيمه وأصبح المرجعية الرسمية، وبذلك بدأت مرحلة التوثيق الحقيقي لكل ما ينشر ويصدر في المملكة من تأليف أو ترجمة.
وعليه فلقد كان ما قبل 1994م في معظمها جهود فردية وتميزت بجودة لكن بقلة العدد لدرجة خلو عدد من الأعوام لأي كتاب في الترجمة، أما ما بعد 1994: فقد تميزت بزيادة مطردة في عدد الكتب المترجمة.
وبخصوص المصطلح؛ فإننا نعتقد بأن توحيد المصطلحات العلمية أهم شيء في قضية التعريب، وهناك بعض الجهود في هذا السياق، لكنها غير فاعلة أو ملزمة.
لقد أسهم دخول اللغة العربية للأمم المتحدة سنة 1973 في بلورة المصطلح العربي المتخصص، ويسهم المترجم العربي في المنظمة إسهاما فعالا في الاستعمالات اللغوية العربية وربطها بقضايا العصر والمعارف المستحدثة.
نعيش اليوم عولمة ثقافية في إطار مصطلحات؛ كحوار الحضارات، وحوار الثقافات، والتعددية اللغوية. وطرحت العولمة في مجالاتها المختلفة تحديات على شعوب العالم المتقدم والمتخلف على السواء، ومفاهيم الذكاء الاصطناعي والترجمة هي واحدة من بين هذه التحديات التي تسهل سبل التواصل بين البشر، وتساعد في نقل المعارف والتقنيات والأفكار، وتقرب بين عادات مختلف شعوب العالم.
دور هيئة الأدب والنشر والترجمة
كيف ترى دور هيئة الأدب والنشر والترجمة في استكمال مسيرة الترجمة التي بدأها المشروع؟
تأسست هيئة الأدب والنشر والترجمة في الرابع من فبراير للعام 2020م للقيام بمهام إدارة قطاعات الأدب والنشر والترجمة وتنظيمها بوصفها المرجع الرسمي لها في المملكة، والمساهمة في تحقيق تطلعات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والاستراتيجية الوطنية للثقافة التي تسعى لجعل الثقافة نمطا لحياة الفرد، وتفعيل دورها في النمو الاقتصادي، وتمكينها من تعزيز مكانة المملكة الدولية.
لقد كان المرصد السعودي في الترجمة النواة للببليوجرافيا في الترجمة وبفضل المخلصين في هيئة الأدب فقد تبنوا المشروع وإكماله وتوسيعه ليشمل العالم العربي تحت مسمى المرصد العربي للترجمة بهدف الوصول للببليوجرافيا عربية في الترجمة.
وأطلقت الهيئة عدة مبادرات لتدعيم حركة الترجمة ومنها: ترجم، ومنح البحوث، والمترجم المعتمد، ومنها أيضا مبادرة تنسيق الجهود العربية في الترجمة حيث شكلت لجان متخصصة لعمل خطة استراتيجية ورؤية ورسالة وأهداف مشروع مبادرة المرصد العربي للترجمة، الخ
وتأسس المرصد رسميا في 26 أكتوبر 2022، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» والتدشين كان بحضور وزراء الثقافة العرب في جده بتاريخ 17 مايو 2024.
مستقبل الترجمة في المملكة
كيف ترى مستقبل الترجمة في المملكة العربية السعودية؟ وما هي أهمية الترجمة في تعزيز الانفتاح الثقافي في المملكة العربية السعودية؟
تتجه المملكة العربية السعودية نحو مستقبل واعد في مجال الترجمة، مدفوعة بالدعم الحكومي المتزايد في ظل سيدي الملك سلمان حفظه الله وولي عهده الأمين وفقه الله ورغبة الشباب في الانفتاح على ثقافات العالم. ومن المتوقع أن يشهد هذا المجال نموا ملحوظا في الأعوام القادمة وعليه:
- تقوم الهيئة بجهود كبيرة ونوعية وأصبحت مظلة رسمية لهذا القطاع، يمكن الرجوع لموقعهم للاطلاع على نشاطهم: https://lpt.moc.gov.sa/
- يشكل المرصد العربي للترجمة خطوة مهمة نحو تطوير حركة الترجمة في المملكة والعالم العربي، ومن المتوقع أن يسهم في تعزيز دور المملكة كمركز إقليمي للترجمة.
وأخيرا، إن دور الترجمة حماية الثقافة والحفاظ على الهوية، وفي إقامة العلاقات والتفاهم مع الثقافات والحضارات الأخرى، والتوعية والتقريب بين الثقافات والمستقبل بإذن الله واعد مع رؤية المملكة 2030 وقيام هيئة الأدب والنشر والترجمة بدور فعال في هذا القطاع.
** **
@ali_s_alq