الثقافية - عبدالله بن ناصر الداود:
بدأ مسيرته المهنية بالتدريس في دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنه سرعان ما انطلق ليحقق حضورًا أدبيًا لافتًا عبر أعمال متنوعة، من روايات ومسرحيات ودراسات نقدية. من أبرز إصداراته: «القادم»، «شيزوفرينيا»، «يداً بيد»، «فصول من سيرة صاحب الكرامة»، «75 ثانية فقط»، و«زوايا الميل والانحراف في مغامرة الرواية العربية الجديدة».
في لقاء لـ«الثقافية»، أطل الناقد والكاتب السوري حسام السَّفَّان، ابن مدينة دير الزور، ليشاركنا جوانب من رحلته الأدبية والنقدية الزاخرة. يحمل السفان درجة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد الأدبي، وهو عضو فاعل في العديد من الجمعيات والمنتديات الأدبية العالمية والعربية.
حاز حسام السَّفَّان على العديد من الجوائز الأدبية المرموقة التي توثق ريادته في مجاله، من بينها: جائزة الخطلاء للرواية العربية، جائزة الشيخ خالد بن محمد آل نهيان، جائزة كتارا في الدراسات النقدية، جائزة وزارة الثقافة الإماراتية، جائزة الشارقة للإبداع العربي، جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، وجائزة دبي الثقافية.
في حديثه لـ«الثقافية»، أكد الكاتب السوري حسام السَّفَّان أن الأدب بالنسبة له ليس مجرد كلمات تُكتب أو تُقرأ، بل هو رسالة إنسانية وفكرية عميقة. ومن خلال أعماله وجوائزه، يبرز كواحد من أبرز الأصوات التي تمزج بين الإبداع الأدبي والرؤية النقدية الرصينة، تاركًا بصمة لا تُنسى في المشهد الثقافي العربي
الجوائز في الوطن العربي
كما يبدو من خلال الجوائز التي حصلت عليها، وهي كثيرة، هل ترى أن للجوائز في الوطن العربي دورا في إبراز أعمال الكتاب؟
الكثير من القراء والمؤسسات الثقافية تترقب نتائج بعض الجوائز للاهتمام أو الالتفات إلى من يحوز عليها كما حدث منذ أيام مع الكاتبة الكورية التي ما إن أعلن خبر فوزها بنوبل حتى طفق العالم يبحث عن أعمالها، بينما كانت بالنسبة إلى الكثيرين ومنهم القارئ العربي في طي النسيان أو في العتمة. يحدث ذلك دائمًا وهو أمر طبيعي، لكن لا يمكن الركون إلى الجوائز على أنها العامل الحاسم والوحيد في تسليط الضوء على الكاتب، فثمة العديد من الكتاب حصلوا على جوائز كثيرة ومهمة بيد أنهم مبتعدون عن الأضواء، وثمة من لم تنصفهم الجوائز على أهمية تجربتهم وغناها.
عالم القراءة
لكل كاتب مصادر ثقافية تغني كتاباته وتثريها هل تحدثنا عن مصادر ثقافتك. ولمن تقرأ؟
أقرأ كل ما تقع عليه يدي أو عيني بغض النظر عن الأسماء، بل وفروع المعرفة أقرأ في الأدب وفي العلوم أعشق الفلك والفلسفة وعلم النفس والباراسيكولوجيا والتاريخ..، وأنتشي بالشعر والرواية والمسرح..، أنا مثل شجرة تستمد نسغ الحياة من مظاهر عديدة لا يمكن حصرها بوقت ومقدار محددين، وتفيض بثمارها على كل من يمد إليها يده أو بصره..
طقوس الكتابة
كيف تكتب ومتى؟ هل لديك طقوس معينة للكتابة؟
كانت الكتابة في البدايات بالنسبة إليّ هواية أمارسها في أوقات فراغي، ثم انتقلت في مرحلة ما إلى ما يشبه الإلهام يأتي من تلقاء نفسه في الأوقات التي يختارها هو لا أنا، فأذعن له، أما في المرحلة الثالثة فقد أصبح ذلك الإلهام طوع بناني، صديقًا عزيزًا، أجهز له الشاي في مكتبي الهادئ، فنتقاسم الأحاديث والذكرى والحنين..
أرسطو ومصطلح التطهير
الموضوعات التي تتناولها، كما يبدو، معظم أحداثها حصلت معك ونسجت على فكرتها الأولى، وتشظى معك العمل الروائي إلى مسارات متشعبة، مثال ذلك: خطوة واحدة فقط، 75 ثانية فقط، هل للأحداث اليومية التي تعيشها تأثير بما تكتب؟
منذ أن كان الأدب كان شكلًا من أشكال التطهير، فقد استخدم أرسطو في كتابه فن الشعر مصطلح التطهير Catharsis أو التنفيس أو التنقية واصفًا بها طبيعة الأدب والفن؛ فالأدب بذلك – في الأصل- قائم على مبدأ الفيوض، لكن على الأديب أن يوجه تلك الفيوضات ويختار لها الأسلوب الأسمى والأجمل حتى لا تتحول إلى اعترافات أو جلسات مملة.
الرواية العربية والعالمية
هل ترى أن الروائيين العرب استوعبوا الرواية الحديثة؟ وهل الرواية العربية وصلت للعالمية؟
بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، نعم. فالتجربة العربية المعاصرة تجربة غنية استوعبت التجارب العالمية على اختلاف مشاربها وتنوعها، بل وأنتجت أساليب ورؤى قيمة وعميقة الأثر والتأثير. أما ما يتعلق بالشق الثاني فإن عالمية الرواية العربية ما زالت في بداياتها على الرغم من وجود العديد من الترجمات إلا أن تلك الإشعاعات قد لا تتوجه أنوارها إلى الوجهة التي تستحق؛ لذا فالعالمية ما زالت قاصرة عن تقدير التجربة العربية حق قدرها، لكنها مسألة وقت وتوجيه وإصرار ليس إلا.
الفلسفة والأساطير
من يقرأ لك يجد الفلسفة حاضرة والاساطير والثقافة الموسوعية هل لنوعية القراءة دور في بروز ذلك في أعمالك؟
قال الناقد والأديب الفرنسي بوفون: إن «الأسلوب هو الرجل ذاته». فانعكاس هذه المعطيات في كتاباتي تنبثق من أمرين: شخصيتي التي تمثل النبع الذي يفيض بتلك الأعمال، ومن نظرتي إلى الأدب نفسه؛ فالرواية، مثلًا، من وجهة نظري ليست حكاية تروى أو تقرأ لتزجية الوقت فحسب، بل هي رسالة ووجبة دسمة يجب عليها إن لم تسمن أن تغني من جوع.
الجمهور المستهدف
في أعمالك تبدو شخصية الكاتب الثرية معرفيا فهل كتاباتك موجهة للنخب العربية؟
على الرغم من أنني لا أتقصد تبلور المعرفة أو الثراء المعرفي في كتاباتي إلا أن استنتاجك في محله، وهو نابع من رؤيتي للأدب ورسالته، وفي الواقع يرى الكثير ممن درسوا كتاباتي أو كتبوا عنها أنني أكتب للنخبة ربما بسبب ما استنتجتَ، أو لأنني أكتب بطريقة لا يألفها العامة في محاولة للتجديد في شكل الأدب ومضمونه.
الكتاب الجدد والمغامرات
في الآونة الأخيرة ظهر كتّاب جدد، ونالوا شهرة واسعة بسبب أعمال تتحدث عن الجن والغموض والمغامرات والشعوذة والسحر، فهل تصنف هذه الأعمال أدبا يمكن دراسته من هذه الناحية؟ وما رأيك بمن لا يصنفها أدبا؟
الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة في الأدب، لذا فأنا لست ضد الكتابة عن أي موضوع ما دام الأديب قادرًا على تقديمه على هيئة أدب، لكن ثمة من يستغل هذه المواضيع لتعلق العامة بها أو لدغدغتها مشاعرهم فتكون هذه الموضوعات هي رأسمال الأديب فقط، فحينها لا بد من الفشل حتى لو حقق نسبة عالية من القراء أو المبيعات، فنحن في مجتمعات ما زالت لديها أمية كبيرة في الثقافة والأدب، لذا فإن معظم الأعمال التي تجد رواجًا بين الناس هي الأعمال التي لا ترتقي إلى منزلة الأدب، لكن الكثير ممن يكتب هذه الأعمال لا يهمهم في الحقيقة سوى ذلك الرواج والربح، فالأدب بالنسبة إليهم تجارة ليس إلا لذلك يرون أنهم لم يفشلوا، بل حققوا النجاح الذي يأملونه، وهذا للأسف أمر واقع؛ فالكثير ممن يكتبون ليسوا كتَّابا، بل صانعو تفاهة لكن هذه التفاهة مربحة وهم بذلك حققوا غاياتهم، بل إن بعضهم يرى نفسه أكثر نجاحا من كتاب كبار لهم بصمة واضحة في الثقافة والفكر والأدب لأن المقاييس مختلفة بين هذا وذاك، وليس ذلك ببعيد عن التجارة، فأكثر التجارات ربحًا هي تجارة الممنوعات وأكثر المشاهدات للأفلام الإباحية وفي الدارك ويب، وهذا أمر واقع نعيشه في العديد من مجالات الحياة، كوسائل التواصل والتفاعل الاجتماعي إذ نجد ملايين المتابعات لبرامج ومحتويات تافهة، بينما نجد إهمال برامج ذات قدر راق من العلم والثقافة والمسؤولية،وكذلك يمكننا القول: إن أربح الكتابات تلك التي لا تنتمي إلى الأدب كما أن تجارة المخدرات والسلاح والجنس ليست تجارات بل جرائم.
ما أود التأكيد عليه هو أن الربح والانتشار ليسا مقياس الإبداع والجودة؛ فالجودة هي الانتشار بين الناس الأسوياء بينما معظم الأمور المربحة هي تلك التي تنتشر بين الشذاذ والمرضى والمجرمين، لكن في نهاية المطاف يذهب الزبد جفاءً وما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض.